عبد الله بن سبأ : القسم الخامس
خلصنا في الأقسام السابقة هناك شخصيتين لـ عبد الله بن سبأ الأولى شخصية أسطورية ، لا وجود لها غلى أرض الواقع ، مغالية في حق الأمام علي عليه السلام بتأليهه ، أختلق هذه الأسطورة زنديق يسمى سيف بن عمر التميمي ربطها بحكايات ، أخذها منه الطبري ثم تناقلها منه المؤرخون المتقدمون والمتأخرين ، واستغلها بعضهم في الترويج والتشنيع بالشيعة الاثنا عشرية وربطهم بفكرة الوصية باليهودية .
أما الشخصية الثانية لـ أبن سبأ فهي الشخصية المغالية في تنزيه الباري – عز وجل - ونفي ما لا يليق به عنه ، و أشرنا الى إننا سنتناول تلك الشخصية بالتفصيل في الأجزاء القادمة
يتناول هذا القسم الخامس الشخصية الثانية لـ عبد الله بن سبا
من هو عبد الله بن سبأ المغالي في تنزيه الباري ونفي ما لا يليق به عنه
أشرنا سابقا أن كتب الشيعة المعتبرة أوردت روايتين ترتبط بشخص يسمى عبد الله بن سبأ ، وأن هذه الشخصية مغالية في تنزيه الباري ونفي ما لا يليق به ، الرواية الأولي : أن أمير المؤمنين – علي بن أبى طالب علية السلام قال : إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه الى السماء ولينصب في الدعاء . فقال أبن سبأ : يا أمير المؤمنين أليس الله في كل مكان فقال: بلى قال : فلم يرفع يديه الى السماء ؟ قال : أما تقرأ في القرآن وفي السماء رزقكم وما توعدون فمن أين يطلب الرزق إلا من موضعه ، وموضع الرزق وما وعد الله السماء
والرواية الثانية : إن المسيب بن نجية جاء الى أمير المؤمنين ( الإمام علي ) متلببا بعبد الله بن سبأ فقال : ما شأنك ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله فقال : ما يقول ؟ : قال الراوي : فلم اسمع مقالة المسيب ، وسمعت أمير المؤمنين يقول : هيهات ! هيهات ! العصب ، وكن يأتيكم راكب الذعبلة يشد حقوها بوضينها لم يقض تفثا من حج ولا عمره فيقتلوه يريد بذلك الحسين بن علي عليه السلام
من الواضح إن هاتين الروايتين تناقضان الروايات التي جعلت من ابن سبا يدعي بألوهية الإمام علي
وذلك يعني أننا أمام شخصية أخرى غير تلك التي أوردها الزنديق سيف بن عمر في أسطورته الكاذبة ، إذن من هو صاحب هذه الشخصية ؟
ما هو مدلول كلمة عبد الله بن سبأ
يقول سماحة السيد العسكري(1)
كلمة عبد الله بن سبأ : أسم مركب من أربعة ألفاظ : عبد و الله و أبن و سبأ ، والألفاظ الأربعة خاصة باللغة العربية ويدل هذا على إن الأب والابن المزعومين كليهما كانا عربيين ، أضف أليه بأن المختلق الأول لأسطورة بن سبأ – وهو سيف – صرح بأن ابن سبأ كان من صنعاء اليمن .
وحدد الجميع زمن نشاط ابن سبأ بعهدي الخليفة عثمان والإمام علي ولا يتعدى الزمن الذي ذكروا لنشاطه العقد الرابع من القرن الأول الهجري ، ثم إن مجموع ما حيك حوله من أساطير يدل على انه كان من مشاهير عصره .
إذا فهو عربي أبن عربي ، من سكان الجزيرة العربية ومن مشاهير الرجال في العقد الرابع من القرن الأول الهجري ، ولا نجد عربيا في الجزيرة العربية في العصر الإسلامي الأول والى العصر الأموي ، يعرف اسمه واسم أبيه ومحل نشاطه ، ولا يعرف اسم جده ولا سلسة آبائه ! في حين إن العرب قد غالوا في حفظ أنسابهم ، و ألفوا في الأنساب عشرات المؤلفات ، حتى انهم عنوا بحفظ انساب خيولهم ، و ألف العلماء فيها ، مثل ابن الكلبي المتوفى (204هـ) .
وفي متناول أيدينا آلاف الكتب المخطوطة والمطبوعة في التاريخ الإسلامي العام والخاص ، وكتب التراجم والأنساب ، وسائر فنون الأدب ، ولا نجد في أحدها نسب عبد الله ابن سبأ ؟ وما اسم جده ؟ ومن هم سلسلة آبائه ؟ ومن هم قبيلته ؟ ولكم يذكر أحد العلماء في تأليفه شيئا من ذلك على شدة اهتمامهم بذكر الأساطير التي حيكت حوله
بحثنا – السيد العسكري - عشرات السنوات في مختلف مصادر الدراسات الإسلامية فلم نجد عن نسب حرفا واحدا
نعم وجدنا في بعض الكتب ما يلي
قال قتيبة - ت : 276 هـ
فقام حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وعبد الله بن وهب الراسبي على علي فسألوه عن أبي بكر وعمر (2) 0
وقال البلاذري - ت : 279 هـ
وأما حجر بن عدي الكندي وعمروا بن الحمق الخزاعي وحبه بن جوين البجلي ثم العرني وعبد الله بن وهب الهمداني – وهو ابن سبأ – فانهم أتوا عليا فسألوه عن أبى بكر وعمر (3) 0
وقال الثقفي – ت :283هـ
دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين بعدما افتتحت مصر وهو مغموم حزين ، فقالوا له : بين لنا ما قولك في أبى بكر وعمر ...(4)0
قد ورد في هذا الخبر عبد الله بن وهب الراسبي في الإمامة والسياسة ، وعبد الله بن سبأ في الغارات ، وعبد الله بن وهب وهو ابن سبأ في أنساب لاشراف
وقال سعد بن عبد الله الاشعري (ت : 300او 301 هـ) في ذكر الفرق الغالية من كتاب المقالات والفرق :
و أول من قال منها بالغلو وهذه الفرقة تسمى بالسبئية أصحاب عبد الله بن سبأ وهو عبد الله بن وهب الراسبي ...
وقال أيضا فأضاف الغلاة المتقدمة : السبيئة وهم أصحاب عبد الله بن سبأ الراسبي
ووجدنا بمادة السبئي من :
الإكمال لابن ماكوت (ت: 475 هـ) يقول ضمن تعداد السبائيين و عبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج
وقال المؤرخ الكبير السمعاني ( ت : 562هـ) في كتابة الأنساب
السبيء(5) : ، هذه النسبة الى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهم رهط ينسبون إليه عامتهم مصريون : أبو هبيرة عبد الله بن هبيرة بن أسعد بن سهل السبائي ، ثم عد السبائيين إلى قوله : و عبد الله بن وهب رئيس الخوارج وهو الذي قال لعلي أنت الإله حتى نفاه الى المدائن ، وتزعم أصحابه إن عليا في السحاب وان الرعد صوته والبرق سوطه
وقال الذهبي (ت: 748 هـ) في المشتبه :
و عبد الله بن وهب السبئي راس الخوارج
وقال الذهبي - أيضا - في ذكر حوادث سنة 38 هـ من العبر :
وفيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج ، فقتل راس الخوارج عبد الله بن وهب السبائي
وقال المقريزي المتوفى (848هـ) في خططه :
وقام في زمانه – أي زمان الإمام علي رضي – عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بأبن السودءا السبىء ، واحدث القول بوصية رسول الله ص لعلي بالإمامة من بعده بالنص ، واحدث القول برجعة علي والنبي ، وانه حي ، وان فيه الجزء الإلهي ، ومن ابن سبأ هذا تشعبت الغلاة من الرافضة .
وقال ابن حجر المتوفى (852هـ) في تبصير المنتبه
السبئي طائفة منهم عبد الله بن وهب السبئي راس الخوارج
السؤال الكبير : من هو عبد اله بنا سبا هذا ؟ وما هو نسبة ؟ وما هي قصته ؟
هو عبد الله بن وهب بن راسب بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الازد بن الغوت بن تبت بن مالك لبن زيد بن كهلان بن سبأ
فهو لذلك : سبائي ، ازدي ، راسبي
قبل له : عبد الله بن وهب نسبة الى أبيه
وعبد الله بن سبأ نسبة الى من ينتمي إليه
قال ابن حجر : القولان صحيحان ، راجع مادة عسل من تبصير المنتبه (3/954)
لقب عبد الله السبائي هذا بذي الثفنات لما صار على كفيه وركبتيه كثفنات البعير لكثرة سجودة
كان مع علي في حروبة ، ولما وقع التحكيم بعد معركة صفين وانكره الخوارج ، اصبح عبد الله منهم ، وكان من بغضعه عليا ما يسميه إلا الجاحد
\
واجتمع الخوارج في منزلة ، فخطب فيهم وزهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة ، ثم قال :
أخرجوا بنا – إخواننا – من هذه القرية الظالم أهلها الى بعض كور الجبال ، أو الى بعض هذه المدائن ، منكرين لهذه البدع المضلة .
فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة 37هـ وسموه بالخلافة ، ثم خرجوا متسللين من الكوفة ولحقهم الإمام علي بجيشه دون النهروان وقاتلهم وقتل عبد الله بن وهب السبائي الراسبي في المعركة . قتله هاني بن زياد الخصفي وزياد ابن خصفة ، وقتل من كان معه ولم يفلت منهم إلا أقل من العشرة
هذا هو عبد الله السبائي الذي كان في عصر الإمام ولم يوجد غيره بهذا الاسم ولم يعرف التاريخ الصحيح أحد آخر بهذا الاسم
وعلى هذا فأي خبر جاز أن يصدق على عبد الله بن وهب السبائي وينسب إليه ، جاز وقوعه ، و أي خبر لا يصح صدوره من هذا لم يقع ولم يكن بتاتا
ولم يكن عبد الله هذا مؤسس فكرة الوصيه للإمام علي ، ولا مؤسس عقيدة الألوهية فيه ، و إنما كان راس الخوارج الذين حاربوا عليا
وعلى هذا لا يصدق جميع ما رواه سيف في شأنه واخذ منه المؤرخون ، كما لا يصح جميع ما ذكره أهل الملل والنحل فيه
بينما يصدق في شأنه بعض روايات كتب حديث الشيعة مثل الرواية التي ذكرت إن أبن سبأ اعترض على الإمام علي رفع اليدين الى السماء في الدعاء ، والأخرى التي ذكرت جلبه الى الإمام لمقال له وتصحيح الإمام قوله و أمر بإخلاء سبيله
المصادر والمراجع
(1) السيد مرتضى العسكري ، عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ، المجلد الثاني ، ص309-311
(2) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، باب ما كتب علي لأهل العراق -1/142
(3) البلاذري ، انساب الأشراف ، 2/383 ، ط/مؤسسة الاعلمي ، بيروت سنة 1394 هـ
(4) الثقفي ، الغارات ، 114/302 ، منشورات ، انجمن آثار ملي
(5) هذه النسبة بفتح السين المهملة والباء المنقوطة من تحتها بنقطة واحدة وفتحها