منتديات بوابة ماجدة

نرحب بكم في منتدى مكتوب...

منتدى عربي ثقافي منوع غني بكل جديد ومفيد في الانترنت العربية وهو أحد مواقع شبكة مكتوب المعرفة والتدوين انضم الآن و احصل على فرصة التمتع بأقسام تجمع بين الفائدة والمتعة.

 
بحث متقدم
  المنتدى  موقع مكتوب  الانترنت
 



العودة   منتدى مكتوب > روحانيات > روحانيات

روحانيات كل ما يغذي الروح ويرقى بالنفس

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51 (permalink)  
قديم 08-09-2007, 10:33 PM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي ثابت بن قيس ( خطيب رسول الله )

ثابت بن قيس ( خطيب رسول الله )

كان حسّان بن ثابت شاعر رسول الله والاسلام..
وكان ثابت بن قيس خطيب رسول الله والاسلام..
وكانت الكلمات تخرج من فمه قوية، صادعة، جامعة رائعة..
وفي عام الوفود، وفد على المدينة وفد بني تميم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
" جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا"..
فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم :
" قد أذنت لخطيبكم، فليقل"..
وقام خطيبهم عطارد بن حاجب ووقف يزهو بمفاخر قومه..
ولما آذن بانتهاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجبه..
ونهض ثابت فقال :
" الحمد لله، الذي في السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شيء قط الا من فضله..
ثم كان من قدرته أن جعلنا أئمة. واصطفى من خير خلقه رسولا.. أكرمهم نسبا. وأصدقهم حديثا. وأفضلهم حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين..
ثم دعا الناس الى الايمان به، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه.. أكرم الناس أحسابا، وخيرهم فعالا..
ثم كنا نحن الأنصار أول الخلق اجابة..
فنحن أنصار الله، ووزراء رسوله"..
شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد، والمشاهد بعدها
وكانت فدائيته من طراز عجيب.. جد عجيب..
في حروب الردّة، كان في الطليعة دائما، يحمل راية الأنصار، ويضرب بسيف لا يكبو، ولا ينبو..
وفي موقعة اليمامة، التي سبق الحديث عنها أكثر من مرة، رأى ثابت وقع الهجوم الخاطف الذي شنّه جيش مسيلمة الكذاب على المسلمين أول المعركة، فصاح بصوته النذير الجهير :
" والله، ما هذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
ثم ذهب بغير بعيد، وعاد وقد تحنّط، ولبس اكفانه، وصاح مرة أخرى :
" اني أبرأ اليك مما جاء به هؤلاء..
يعني جيش مسيلمة..
وأعتذر اليك مما صنع هؤلاء..
يعني تراخي المسلمين في القتال"..
وانضم اليه سالم مولى رسول الله وكان يحمل راية المهاجرين..
وحفر الاثنان لنفسيهما حفرة عميقة ثم نزلا فيها قائمين، وأهالا الرمال عليهما حتى غطت وسط كل منهما..
وهكذا وقفا..طودين شامخين، نصف كل منهما غائص في الرمال مثبت في أعماق الحفرة.. في حين نصفهما الأعلى، صدرهما وجبهتهما وذراعهما يستقبلان جيوش الوثنية والكذب..
وراحا يضربان بسيفهما كل من يقترب منهما من جيش مسيلمة حتى استشهدا في مكانهما، ومالت شمس كل منهما للغروب..
وكان مشهدهما رضي الله عنهما هذا أعظم صيحة أسهمت في ردّ المسلمين الى مواقعهم، حيث جعلوا من جيش مسيلمة الكذاب ترابا تطؤه الأقدام..
وثابت بن قيس.. هذا الذي تفوّق خطيبا، وتفوّق محاربا كان يحمل نفسا أوابة، وقلبا خاشعا مخبتا، وكان من أكثر المسلمين وجلا من الله، وحياء منه..
لما نزلت الآية الكريمة:
( ان الله لا يحب كل مختال فخور)..
أغلق ثابت باب داره، وجلس يبكي..وطال مكثه على هذه الحال، حتى نمى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، فدعاه وسأله
فقال ثابت:
" يا رسول الله، اني أحب الثوب الجميل، والنعل الجميل، وقد خشيت أن أكون بهذا من المختالين"..
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك راضيا:
" انك لست منهم..
بل تعيش بخير..
وتموت بخير..
وتدخل الجنة".
ولما نزل قول الله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي
ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)..
أغلق ثابت عليه داره، وطفق يبكي..
وافتقده الرسول فسأل عنه، ثم أرسل من يدعوه...
وجاء ثابت..
وسأله الرسول عن سببب غيابه، فأجابه :
" اني امرؤ جهير الصوت..
وقد كنت أرفع صوتي فوق صوتك يا رسول الله..
واذن فقد حبط عملي، وأنا من أهل النار"..
وأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام:
" انك لست منهم..
بل تعيش حميدا..
وتقتل شهيدا..
ويدخلك الله الجنة".
بقي في قصة ثابت واقعة، قد لا يستريح اليها أولئك الذين حصروا تفكيرهم وشعورهم ورؤاهم داخل عالمهم الماديّ الضيّق الذي يلمسونه، أو يبصرونه، أو يشمّونه..
ومع هذا، فالواقعة صحيحة، وتفسيرها مبين وميّسر لكل من يستخدم مع البصر، البصيرة..
بعد أن استشهد ثابت في المعركة، مرّ به واحد من المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالاسلام ورأى على جثمان ثابت درعه الثمينة، فظن أن من حقه أن يأخذها لنفسه، فأخذها..
ولندع راوي الواقعة يرويها بنفسه :
".. وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه.
فقال له: اني أوصيك بوصية، فاياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه
اني لما استشهدت بالأمس، مرّ بي رجل من المسلمين
فأخذ درعي..
وان منزله في أقصى الناس، وفرسه يستنّ في طوله، أي في لجامه وشكيمته.
وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق الابرمة رحل..
فأت خالدا، فمره أن يبعث فيأخذها..
فاذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر، فقل له: انعليّ من الدين كذا كذا..
فليقم بسداده..
فلما استيقظ الرجل من نومه، أتى خالد بن الوليد، فقصّ عليه رؤياه..
فأرسل خالد من يأتي بالدرع، فوجدها كما وصف ثابت تماما..
ولما رجع المسلمون الى المدينة، قصّ المسلم على الخليفة الرؤيا، فأنجز وصيّة ثابت..
وليس في الاسلام وصيّة ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو، سوى وصيّة ثابت بن قيس..
حقا ان الانسان لسرّ كبير..

( ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #52 (permalink)  
قديم 08-11-2007, 12:28 AM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي صهيب بن سنان الرومي ( ربح البيع أبا يحيى )

صهيب بن سنان الرومي ( ربح البيع أبا يحيى )

ومن منا لايعرف صهيب الرومي ؟؟؟ ولا يلم بطرف من أخباره ونتف من سيرته؟؟؟
ولكن الذي لم يكن يعرفه الكثير منا هو أن صهيب لم يكن روميا وإنما كان عربيا خالصا
ولانتساب صهيب الى الروم قصة ماتزال تعيها ذاكرة التاريخ وترويها أسفاره.
فقبل البعثة بحوالي عقدين من الزمان كان يتولى الأبلة(مدينة قديمة دخلت في البصرة وأصبحت جزء منها) سنان بن مالك النميري من قبل كسرى ملك الفرس.
وكان أحب أولاده إليه طفل لم يجاوز الخامسة من عمره دعاه صهيبا.
كان صهيب أزهر الوجه ، أحمر الشعر ، متدفق النشاط ذا عينين تتقدان فطنة ونجابة.
وكان الى ذلك ممرحا، عذب الروح، يدخل السرور على قلب أبيه وينتزع منه هموم الملك إنتزاعا.
مضت أم صهيب مع إبنها الصغير وطائفة من حشمها وخدمها إلى قرية (الثني) من أرض العراق طلبا للراحة والاستجمام، فأغارت على القرية سرية من سرايا جيش الروم، فقتلت حراسها ونهبت أموالها وأسرت ذراريرها.
فكان في جملة من أسرتهم صهيب. وتناقلته الأيدي من تجار وسادة من الروم وينتهي طوافه الى مكة، حيث بيع لعبد الله بن جدعان، بعد أن قضى طفولته وشبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم.
ويعجب سيده بذكائه ونشاطه واخلاصه، فيعتقه ويحرره، ويهيء له فرصة الاتجار معه.
وذات يوم.. ولندع صديقه عمار بن ياسر يحدثنا عن ذلك اليوم:
" لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها..
فقلت له: ماذا تريد..؟
فأجابني وما تريد أنت..؟
قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول.
قال: وأنا اريد ذلك..
فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الاسلام فأسلمنا.
ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا..
ثم خرجنا ونحن مستخفيان".
عرف صهيب طريقه اذن الى دار الأرقم..
عرف طريقه الى الهدى والنور، وأيضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم..
فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطي عتبة.. بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..
عالم قديم بكل ما يمثله من دين وخلق، ونظام وحياة..
وتخطي عتبة دار الأرقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني في حقيقة الأمر وواقعه عبور خضمّ من الأهوال، واسع، وعريض..
واقتحام تلك العتبة، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسؤليات الجسام..
وبالنسبة للفقراء، والغرباء، والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.
وان صاحبنا صهيبا لرجل غريب.. وصديقه الذي لقيه على باب الدار، عمّار بن ياسر رجل فقير.. فما بالهما يستقبلان الهول ويشمّران سواعدهما لملاقاته..؟؟
انه نداء الايمان الذي لا يقاوم..
وانها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يملؤ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا..
وانها روعة الجديد المشرق. تبهر عقولا سئمت عفونة القديم، وضلاله وافلاسه..
وانها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء.. وهداه يهدي اليه من ينيب...

أخذ صهيب مكانه في قافلة المؤمنين..
وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين..
ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين..
وانه ليتحدث صادقا عن ولائه العظيم لمسؤولياته كمسلم بايع الرسول، وسار تحت راية الاسلام فيقول: " لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط الا كنت حاضره..
ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها..
ولا يسر سرية قط. الا كنت حاضرها..
ولا غزا غزاة قط، أوّل الزمان وآخره، الا كنت فيها عن يمينه أو شماله..
وما خاف المسلمون أمامهم قط، الا كنت أمامهم..
ولا خافوا وراءهم الا كنت وراءهم..
وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين االعدوّ أبدا حتى لقي ربه"..
هذه صورة باهرة، لايمان فذ وولاء عظيم..
ولقد كان صهيب رضي الله عنه وعن اخوانه أجمعين، أهلا لهذا الايمان المتفوق من أول يوم استقبل فيه نور الله، ووضع يمينه في يمين الرسول..
يومئذ أخذت علاقاته بالناس، وبالدنيا، بل وبنفسه، طابعا جديدا. يومئذ. امتشق نفسا صلبة زاهدة متفانية. وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها. والأهوال فيروّعها.
ولقد مضى يواجه تبعاته في اقدام وجسور فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر.. منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم الى المغارم.. وعن شهوة الحياة، الى عشق الخطر وحب الموت..
ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته، ففي ذلك اليوم تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته عليه تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكة.. تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشب جلالها تردد ولا نكوص.
فعندما همّ الرسول بالهجرة، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة، هم الرسول.. وأبو بكر.. وصهيب..
بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول..
ووقع صهيب في بعض فخاخهم، فعوّق عن الهجرة بعض الوقت بينما كان الرسول وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله..
وحاور صهيب وداور، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه، وامتطى ظهر ناقته، وانطلق بها الصحراء وثبا..
بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوه ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا : " يا معشر قريش..
لقد علمتم أني من أرماكم رجلا.. وأيم والله لا تصلون اليّ حتى ارمي كل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا ان شئتم..
وان شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشاني"..
ولقد استاموا لأنفسهم، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له :
أتيتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك..؟؟
فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، وقفلوا الى مكة راجعين..
والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك، وفي غير حذر، فلم يسألوه بيّنة.. بل ولم يستحلفوه على صدقه.. وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من العظمة يستحقها كونه صادق وأمين..
واستأنف صهيب هجرته وحيدا سعيدا، حتى أردك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء..
كان الرسول جالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم صهيب ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهلا : " ربح البيع أبا يحيى.. ربح البيع أبا يحيى..


وآنئذ نزلت الآية الكريمة:
( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد)..

أجل لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي أنفق شبابه في جمعها، ولم يحس قط أنه المغبون..
فما المال، وما الذهب وما الدنيا كلها، اذا بقي له ايمانه، واذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره ارادته..؟؟
كان الرسول يحبه كثيرا.. وكان صهيب الى جانب ورعه وتقواه، خفيف الروح، حاضر النكتة..
رآه الرسول يأكل رطبا، وكان باحدى عينيه رمد..
فقال له الرسول ضاحكا:" أتأكل الرطب وفي عينيك رمد"..؟
فأجاب قائلا:" وأي بأس..؟ اني آكله بعيني الآخرى"..
وكان جوّادا معطاء.. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين محتاجا.. يغيث مكروبا.." ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".
حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر فقال له: أراك تطعم كثيرا حتى انك لتسرف..؟
فأجابه صهيب لقد سمعت رسول الله يقول:
" خياركم من أطعم الطعام".
ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فان اختيار عمر بن الخطاب اياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة..
فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر..
وعندما احس نهاية الأجل، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة قال:
" وليصلّ بالناس صهيب"..
لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد..
وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، من يؤم المسلمين في الصلاة..؟
ان عمر وخاصة في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها الى الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار.. فاذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار..
ولقد اختار عمر صهيبا..
اختاره ليكون امام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد.. بأعباء مهمته..
اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان .
ولما نادته منيته فرح للقاء الله فقد أحب لقاء الله فأحب الله لقائه فرضي الله عنه وأرضاه
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #53 (permalink)  
قديم 08-11-2007, 12:47 AM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي سعيد بن عامر ( العظمة تحت الأسمال )

سعيد بن عامر ( العظمة تحت الأسمال )

من هو سعيد بن عامر
انه واحد من كبار الصحابة رضي الله عنهم، وان لم يكن لاسمه ذلك الرنين المألوف لأسماء كبار الصحابة.
انه واحد من كبار الأتقياء الأخفياء..
ولعل من نافلة القول وتكراره، أن ننوه بملازمته رسول الله في جميع مشاهده وغزواته.. فذلك كان نهج المسلمين جميعا. وما كان لمؤمن أن يتخلف عن رسول الله في سلم أو جهاد.
أسلم سعيد قبيل فتح خيبر، ومنذ عانق الاسلام وبايع الرسول، أعطاهما كل حياته، ووجوده ومصيره.
فالطاعة، والزهد، والسمو.. والاخبات، والورع، والترفع.
كل الفضائل العظيمة وجدت في هذا الانسان الطيب الطاهر أخا وصديقا كبيرا..
وحين نسعى للقاء عظمته ورؤيتها، علينا أن نكون من الفطنة بحيث لا نخدع عن هذه العظمة وندعها تفلت منا وتتنكر..
فحين تقع العين على سعيد في الزحام، لن ترى شيئا يدعوها للتلبث والتأمل..
ستجد العين واحدا من أفراد الكتيبة الادمية.. أشعث أغبر. . ليس في ملبسه، ولا في شكله الخارجي، ما يميزه عن فقراء المسلمين بشيء.
فاذا جعلنا من ملبسه ومن شكله الخارجي دليلا على حقيقته، فلن نبصر شيئا، فان عظمة هذا الرجل أكثر أصالة من أن تتبدى في أيّ من مظاهر البذخ والزخرف.
انها هناك كامنة مخبوءة وراء بساطته وأسماله.
أتعرفون اللؤلؤ المخبوء في جوف الصدف..؟ انه شيء يشبه هذا..
عندما عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام، تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه.
وأسلوب عمر في اختيار ولاته ومعاونيه، أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر، والدقة، والأناة.. ذلك أنه كان يؤمن أن أي خطأ يرتكبه والي في أقصى الأرض سيسأل عنه الله اثنين: عمر أولا.. وصاحب الخطأ ثانيا..
ومعاييره في تقييم الناس واختيار الولاة مرهفة، ومحيطة،وبصيرة، أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذا..
والشام يومئذ حاضرة كبيرة، والحياة فيها قبل دخول الاسلام بقرون، تتقلب بين حضارات متساوقة.. وهي مركز هام لتجارة. ومرتع رحيب للنعمة.. وهي بهذا، ولهذا درء اغراء. ولا يصلح لها في رأي عمر الا قديس تفر كل شياطين الاغراء أمام عزوفه.. والا زاهد، عابد، قانت، أواب..
وصاح عمر: قد وجدته، اليّ بسعيد بن عامر..
وفيما بعد يجيء سعيد الى أمير المؤمنين ويعرض عليه ولاية حمص..

ولكن سعيجا يعتذر ويقول: " لا تفتنّي يا أمير المؤمنين"..
فيصيح به عمر:
" والله لا أدعك.. أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي.. ثم تتركوني"..؟؟
واقتنع سعيد في لحظة، فقد كانت كلمات عمر حريّة بهذا الاقناع.
أجل ليس من العدل أن يقلدوه أمانتهم وخلافتهم، ثم يتركوه وحيدا..واذا انفض عن مسؤولية الحكم أمثال سعيد بن عامر، فأنّى لعمر من يعينه على تبعات الحكم الثقال..؟؟
خرج سعيد الى حمص ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وكانت عروسه منذ طفولتها فائقة الجمال والنضرة.. وزوّده عمر بقدر طيّب من المال.
ولما استقرّا في حمص أرادت زوجته أن تستعمل حقها كزوجة في استثمار المال الذي زوده به عمر.. وأشارت عليه بأن يشتري ما يلزمهما من لباس لائق، ومتاع وأثاث.. ثم يدخر الباقي..
وقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا..؟؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعط المال من يتجر لنا فيه وينمّيه..
قالت: وان خسرت تجارته..؟
قال سعيد: سأجعل ضمانا عليه..
قالت: فنعم اذن..
وخرج سعيد فاشترى بعض ضروريات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال في الفقراء والمحتاجين..
ومرّت الأيام.. وبين الحين والحين تسأله زوجه عن تجارتهما وأيّان بلغت من الأرباح..
ويجيبها سعيد: انها تجارة موفقة.. وان الارباح تنمو وتزيد.
وذات يوم سألته نفس السؤال أمام قريب له كان يعرف حقيقة الأمر فابتسم. ثم ضحك ضحكة أوحت الى روع الزوجة بالشك والريب، فألحت عليه أن يصارحها الحديث، فقا لها: لقد تصدق بماله جميعه من ذلك اليوم البعيد.
فبكت زوجة سعيد، وآسفها أنها لم تذهب من هذا المال بطائل فلا هي ابتاعت لنفسها ما تريد، والا المال بقي..
ونظر اليها سعيد وقد زادتها دموعها الوديعة الآسية جمالا وروعة.
وقبل أن ينال المشهد الفاتن من نفسه ضعفا، ألقى بصيرته نحو الجنة فرأى فيها أصحابه السابقين الراحلين فقال:
" لقد كان لي أصحاب سبقوني الى الله... وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها"..
واذ خشي أن تدل عليه بجمالها، وكأنه يوجه الحديث الى نفسه معها :
" تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا.. فلأن أضحي بك من أجلهن، أحرى وأولى من أن أضحي بهن من أجلك"..
وأنهى حديثه كما بدأه، هادئا مبتسما راضيا..
وسكنت زوجته، وأدركت أنه لا شيء أفضل لهما من السير في طريق سعيد، وحمل النفس على محاكاته في زهده وتقواه..
كانت حمص أيامئذ، توصف بأنها الكوفة الثانية وسبب هذا الوصف، كثرة تمرّد أهلها واختلافهم على ولاتهم.
ولما كانت الكوفة في العراق صاحبة السبق في هذا التمرد فقد أخذت حمص اسمها لما شابهتها...
وعلى الرغم من ولع الحمصيين بالتمرّد كما ذكرنا، فقد هدى الله قلوبهم لعبده الصالح سعيد، فأحبوه وأطاعوه.

ولقد سأله عمر يوما فقال: " ان أهل الشام يحبونك".؟
فأجابه سعيد قائلا:" لأني أعاونهم وأواسيهم"..
بيد أن مهما يكن أهل حمص حب لسعيد، فلا مفر من أن يكون هناك بعض التذمر والشكوى.. على الأقل لتثبت حمص أنها لا تزال المنافس القوي لكوفة العراق...
وتقدم البعض يشكون منه، وكانت شكوى مباركة، فقد كشفت عن جانب من عظمة الرجل، عجيب عجيب جدا..
طلب عمر من الزمرة الشاكية أن تعدد نقاط شكواها، واحدة واحدة..
فنهض المتحدث بلسان هذه المجموعة وقال: نشكو منه أربعا :
" لا يخرج الينا حت يتعالى النهار..
ولا يجيب أحدا بليل..
وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما الينا ولا نراه،
وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا، وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين"..
وجلس الرجل:
وأطرق عمر مليا، وابتهل الى الله همسا قال :
" اللهم اني أعرفه من خير عبادك..
اللهم لا تخيّب فيه فراستي"..
ودعاه للدفاع عن نفسه، فقال سعيد :
أما قولهم اني لا أخرج اليهم حتى يتعالى النهار..
" فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب.. انه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه يختمر، ثم اخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج اليهم"..
وتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله.. والثانية..؟
وتابع سعيد حديثه:
وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل..
فوالله، لقد كنت أكره ذكر السبب.. اني جعلت النهار لهم،والليل لربي"..
أما قولهم: ان لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما...
" فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس بي ثياب أبدّلها، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر أن يجف بعد حين.. وفي آخر النهار أخرج اليهم ".
وأما قولهم: ان الغشية تأخذني بين الحين والحين..
" فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، وحملوه على جذعه، وهم يقولون له: أحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى..؟ فيجيبهم قائلا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة..
فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته أنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها، أرتجف خوفا من عذاب الله، ويغشاني الذي يغشاني"..
وانتهت كلمات سعيد التي كانت تغادر شفتيه مبللة بدموعه الورعة الطاهرة..
ولم يمالك عمر نفسه ونشوه، فصاح من فرط حبوره.
" الحمد لله الذي لم يخيّب فراستي".
وعانق سعيدا، وقبّل جبهته المضيئة العالية...
أي حظ من الهدى ناله هذا الطراز من الخلق..؟
أي معلم كان رسول الله..؟
اي نور نافذ، كان كتاب الله..؟؟
وأي مدرسة ملهمة ومعلمة، كان الاسلام..؟؟

ولكن، هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عددا كثيرا من هذا الطراز..؟؟
انه لو حدث هذا، لما بقيت أرضا، انها تصير فردوسا..
أجل تصير الفردوس الموعود..
ولما كان الفردوس لم يأت زمانه بعد فإن الذين يمرون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل.. قللون دائما ونادرون..
وسعيد بن عامر واحد منهم..
كان عطاؤه وراتبه بحكم عمله ووظيفته، ولكنه كان يأخذ منه ما يكفيه وزوجه.. ثم يوزع باقيه على بيوت أخرى فقيرة...
ولقد قيل له يوما:
" توسّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك"..
فأجاب قائلا:
" ولماذا أهلي وأصهاري..؟
لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة"..
وطالما كان يقال له:
" توسّع وأهل بيتك في النفقة وخذ من طيّبات الحياة"..
ولكنه كان يجيب دائما، ويردد أبدا كلماته العظيمة هذه:
" ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول، بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجمع الله عز وجل الناس للحساب، فيحيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمام، فيقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه.. فيقول الله: صدق عبادي.. فيدخلون الجنة قبل الناس"..
وفي العام العشرين من الهجرة، لقي سعيد ربه أنقى ما يكون صفحة، وأتقى ما يكون قلبا، وأنضر ما يكون سيرة..
لقد طال شوقه الى الرعيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده، وتتبع خطاه..
أجل لقد طال شوقه الى رسوله ومعلمه.. والى رفاقه الأوّابين المتطهرين..
واليوم يلاقيهم قرير العين، مطمئن النفس، خفيف الظهر..
ليس معه ولا وراءه من أحمال الدنيا ومتاعها ما يثقل ظهره وكاهله،،
ليس معه الا ورعه، وزهده، وتقاه، وعظمة نفسه وسلوكه..
وفضائل تثقل الميزان، ولكنها لا تثقل الظهور..
ومزايا هز بها صاحبها الدنيا، ولم يهزها غرور..
سلام على سعيد بن عامر..
سلام عليه في محياه، وأخراه..
وسلام.. ثم سلام على سيرته وذكراه..
وسلام على الكرام البررة.. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #54 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 01:00 AM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي إسامة بن زيد ( الحب بن الحب )

إسامة بن زيد ( الحب بن الحب )

جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين..
وجاء دور عبدالله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه.
ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبدالله..
وذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام، فقد خشي عبدالله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه،أن يكون عند الله من السابقين..
هنالك سأل أباه قائلا:" لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟
فأجابه عمر:
" ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك..
وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك"..
فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟
انه أسامة بن زيد.
كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ..
أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول:
" أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه"..
وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي..
وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته،
لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء..
فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود، أفطس..
أجل.. بهاتين الكلمتين، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..
ولكن، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟
متى.. ورسوله هو الذي يقول:
" ألا ربّ أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه"..
فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن..
لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان..
ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته..؟
لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره:
" ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا".
كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه..
فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه.
وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء..


وهو رضي الله عنه على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة..
وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود..
ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها..
فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال:
( ان أكرمكم عند الله أتقاكم)..
وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد..
ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة، وفوزا، وعن يمينه ويساره بلال، وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة..
وفي سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..
وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب، أسامة بن زيد، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين..
وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
" ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد..
ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل..
وان كان أبوه لخليقا للامارة..
وان أسامة لخليق لها..
وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه..
واني لأرجو أن يكون من صالحيكم..
فاستوصوا به خيرا"..
وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه:
" أنفذوا بعث أسامة..
أنفذوا بعث أسامة.."
وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة الى غايته، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة.
وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم.
وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية.
وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ:
" ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..


وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا، عاشه أسامة، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية.
قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين.
وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة..
ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر.
ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ:
".. فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال:
حدّثني..
فجعلت أحدّثه.. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته.
فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
ويحك يا أسامة..
فكيف لك بلا اله الا الله..؟
ويحك يا أسامة..
فكيف لك بلا اله الا الله..؟
فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته. واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد.
فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه حياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا.
وانه لدرس بليغ درس يكشف عن انسانية الرسول، وعدله، وسموّ مبادئه، وعظمة دينه وخلقه..
فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركا ومحاربا..
وهو حين قال: لا اله الا الله.. قالها والسيف في يمينه، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد..
ومع هذا، فلأنه قالها، وتحرّك بها لسانه، يصير دمه حراما وحياته آمنة، في نفس اللحظة، ولنفس السبب..!
ووعى أسامة الدرس الى منتهاه..
فاذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قل: لا اله الا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا، ومسلمون حقا..؟
وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين علي وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا.
كان يحبّ عليّا أكثر الحب، وكان يبصر الحق الى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو الذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله الا الله..؟؟
هنالك أرسل الى علي رسالة قال فيها:
" انك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أدخل معك فيه.
ولكن هذا أمر لم أره"..
ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب..
وحين جاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم:
" لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا".
قال أحدهم له: ألم يقل الله: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)..؟؟
فأجابهم أسامة قائلا:
" أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله"..
وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول..
وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين.
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #55 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 01:04 AM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي عثمان بن مظعون ( راهب صومعته الحياة )

عثمان بن مظعون ( راهب صومعته الحياة )

اذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق سبقهم الزمني الى الاسلام فاعلم اذا بلغت الرقم الرابع عشر أن صاحبه هو عثمان بن مظعون..
واعلم كذلك أن ابن مظعون هذا، كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة.. كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع..
واعلم أخيرا أن هذا الصحابي الجليل الذي تطالع الآن سيرته كان راهبا عظيما.. لا من رهبان الصوامع، بل من رهبان الحياة...
أجل.. كانت الحياة بكل جيشانها، ومسؤولياتها، وفضائلها هي صومعته..
وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح...
عندما كان الاسلام يتسرّب ضوؤه الباكر النديّ من قلب الرسول صلى الله عليه عليه وسلم.. ومن كلماته ، عليه الصلاة والسلام التي يلقيها في بعض الأسماع سرا وخفية..
كان عثمان بن معظون هناك، وحدا من القلة التي سارعت الى الله والتفت حول رسوله..
ولقد نزل به من الأذى والضر، ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين..
وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية. آمرا ايّاها بالهجرة الى الحبشة. مؤثرا أن يبقى في مواجهة الأذى وحده، كان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين، مصطحبا معه ابنه موليّا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل. وضراوة قريش، وهول عذابها....
وكشأن المهاجرين الى الحبشة في كلتا الهجرتين... الأولى والثانية، لم يزدد عثمان بن مظعون رضي الله عنه الا استمساكا بالاسلام. واعتصاما به..
والحق أن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة، ومجيدة في قضية الاسلام..
فالذين آمنوا بالرسول صلى الله وصدّقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاتها، وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تسيغ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال..
وحين هاجروا الى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا، ومنظما.. له كنائسه وأحباره ورهبانه..
وهو، مهما تكن نظرتهم اليه، بعيد عن الوثنية التي ألفوها في بلادهم، وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطقوسها التي خلفوها وراء ظهورهم..
ولا بدّ أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم، واقناعهم بالمسيحية دينا...
ومع هذا كله نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للاسلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم.. مترقبين في شوق وقلق، ذلك اليوم القريب الذي يعودون فيه الى بلادهم الحبيبة، ليعبدوا الله وحده، وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم.. في المسجد أيام السلام.. وفي ميدان القتال، اذا اضطرتهم قوى الشرك للقتال..
في الحبشة اذن عاش المهاجرون آمنين مطمئنين.. وعاش معهم عثمان بن مظعون الذي لم ينس في غربته مكايد ابن عمّه أمية بن خلف، وما ألحقه به وبغيره من أذى وضرّ، فراح يتسلى بهجائه ويتوعده:
تريش نبالا لا يواتيك ريشها
وتبري نبالا، ريشها لك أجمع
وحاربت أقواما مراما أعزة

وأهلكت أقواما بهم كنت تزغ
ستعلم ان نابتك يوما ملمّة
وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله، ويتدارسون ما معهم من القرآن، ويحملون برغم الغربة توهج روح منقطع النظير.. اذ الأنباء تواتيهم أن قريش أسلمت، وسجدت مع الرسول لله الواحد القهار..
هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا الى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم حنينهم..
بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبيّنوا كذب الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش..
وساعتئذ سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد عجلوا.. ولكن أنّى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر..
وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما ارادوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم ها هو ذا الآن، تحيّن فرصته، وتأتي به مقاديره..
كان الجوّار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والاجلال، فاذا دخل رجل مستضعف جوار سيّد قرشي، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب منه مأمن...
ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار..
من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة.
وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر دورها، ويشهد ندواتها، لا يسام خسفا ولا ضيما.
ولكن ابن مظعون.. الرجل الذي يصقله القرآن، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم، يتلفت حواليه، فيرى اخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا.. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، فيثور روحه الحر، ويجيش وجدانه النبيل، ويتفوق بنفسه على نفسه، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد، وأن يمحو عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله، وشرف الشبه باخوانه المسلمين، طلائع الدنيا المؤمنة، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا ايمانا، وتوحيدا، ونورا..

ولندع شاهد عيان يصف لنا ما حدث:
" لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله ان غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، واصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني، لنقص كبير في نفسي..
فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له:
يا أبا عبد شمس وفت ذمتك. وقد رددت اليك جوارك..
فقال له: لم يا ابن أخي.. لعله آذاك أحد من قومي..؟
قال.. لا. ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره...
فانطلق الى المسجد فاردد عليّ جواري علانية ..
فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان..
قد جاء يردد عليّ جواري..
قال عثمان: صدق.. ولقد وجدته وفيّا كريما الجوار، ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله..
ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشهد، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل


فقال عثمان: صدقت..
قال لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول..
فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم..؟
فقال رجل من القوم: ان هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله..
فرد عليه عثمان بن مظعون حتى سري أمرهما. فقام اليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابها والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما يحدث لعثمان، فقال: أما والله يا بن أخي ان كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة، لقد كانت في ذمة منيعة..
فال عثمان: بل والله ان عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس..
فقا له الوليد: هلم يا بن أخي، ا ن شئت فعد الى جواري..
قال ابن مظعون: لا...
وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضجّ بالألم، ولكن روحه تتفجر عافية، وصلابة، وبشرا..
ولقد مضى في الطريق الى داره يتغنى بشعره هذا:
فان تك عيني في رضا الله نالها
يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي
فقد عوّض الرحمن منها ثوابه
ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فاني وان قلتم غويّ مضلل
لأحيا على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله، والحق ديننا
على رغم من يبغي علينا ويعتدي
هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلا، هو له أهل، وبه جدير..
وهكذا شهدت الحياة انسانا شامخا يعطّر الوجود بموقفه الفذ هذا..
وبكلماته الرائعة الخالدة:
" والله ان عيني الصحيحة، لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر"..
ولقد ذهب عثمان بن مظعون بعد ردّ جوار الوليد يتلقى من قريش أذاها، وكان بهذا سعيدا جدّ سعيد.. فقد كان ذلك الأذى بمثابة الاثر التي تنضج الايمان وتصهره وتزكّيه..
وهكذا سار مع اخوانه المؤمنين، لا يروعهم زجر.. ولا يصدّهم اثخان..
ويهاجر عثمان الى المدينة، حيث لا يؤرّقه أبو جهل هناك، ولا أبو لهب.... ولا أميّة.. ولا عتبة، ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرّقت ليلهم، وأدمت نهارهم..
يذهب الى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عسرته ومشقته ورهبته، والذين لم يهاجروا الى المدينة ليستريحوا ويكسروا.. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب الى كل أقطار الأرض حاملين راية الله، مبشرين بكلماته وآياته وهداه..
وفي دار الهجرة المنوّرة، يتكشفّ جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة، فاذا هو العابد، الزاهد، المتبتل، الأوّاب...
واذا هو الراهب الجليل، الذكي الذي لا يأوي الى صومعة يعتزل فيها الحياة..

بل يملأ الحياة بعمله، وبجهاده في سبيل الله..
أجل..
راهب الليل فارس النهار، بل راهب الليل والنهار، وفارسهما معا..
ولئن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيّما في تلك الفترة من حياتهم، كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل، فان ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. اذ أمعن في زهده وتفانيه امعانا رائعا، أحال حياته كلها في ليله ونهاره الى صلاة دائمة مضيئة، وتسبيحة طويلة عذبة..
وما ان ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة..
فمضى لا يلبس الا الملبس الخشن، ولا يأكل الا الطعام الجشب..
دخل يوما المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقّعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى.. وتوضع في قصعة. وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟"..
قال الأصحاب:
" وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش"..
فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:
" ان ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ"..
وكان بديهيا، وابن مظعون يسمع هذا، أن يزداد اقبالا على الشظف وهربا من النعيم..
بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى، لولا أن علم أن رسول الله عليه السلام علم عن ذلك فناداه وقال له: " ان لأهلك عليك حقا"..
وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبّا عظيما..
وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة، وأولهم ارتياد لطريق الجنة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام، هناك الى جواره..
ولقد أكبّ على جبينه يقبله، ويعطّره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمّخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله..
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودّع صاحبه الحبيب:
" رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الدنيا وما أصبت منها، ولا أصابت منك"..
ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته، بل كان دائم الذكر له، والثناء عليه..
حتى لقد كانت كلمات وداعه عليه السلام لابنته رقيّة، حين فاضت روحها:
" الحقي بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون"
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #56 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 07:12 PM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي خبيب بن عدي ( بطل فوق الصليب )

خبيب بن عدي ( بطل فوق الصليب )

والآن..
افسحوا الطريق لهذا البطل ..
وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان..
تعالوا، خفاقا وثقالا..
تعاولوا مسرعين، وخاشعين..
وأقبلوا، لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..
تقولون: أوكل هذه القصص التي سردناها من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟
أجل كانت دروسا..
وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير..
ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية..
أستاذ لو فاتكم مشهده، فقد فاتكم خير كثير، جدّ كثير..
الينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد..
الينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد..
وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور، وظننتم بالأديان والايمان ظنّ السّوء..
تعالوا بغروركم..
تعالوا وانظروا أية عزة، وأية منعة، وأي ثبات، وأيّ مضاء.. وأي فداء، وأي ولاء..
وبكلمة واحدة، أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الايمان بالحق على ذويه المخلصين..
أترون هذا الجثمان المصلوب..؟؟
انه موضوع درسنا اليوم، يا كلّ بني الانسان...
هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع، وهو الدرس، وهو الاستاذ..
اسمه خبيب بن عديّ.
احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا.
واحفظوه وانشدوه، فانه شرف لكل انسان.. من كل دين، ومن كل مذهب، ومن كل جنس، وفي كل زمان..
انه من أوس المدينة وأنصارها.
تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر اليهم، وآمن بالله رب العالمين.
كان عذب الروح، شفاف النفس، وثيق الايمان، ريّان الضمير.
كان كما وصفه حسّان بن ثابت :
صقرا توسّط في الأنصار منصبه
سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب
ولما رفعت غزوة بدر أعلامها، كان هناك جنديا باسلا، ومقاتلا مقداما.
وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقه ابّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل
وبعد انتهاء المعركة، وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم، وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..

وعاد المسلمون من بدر الى المدينة، يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد..
وكان خبيب عابدا، وناسكا، يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين، وشوق العابدين..
هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل، ويصوم النهار، ويقدّس لله رب العالمين..
وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش، ويتبيّن ما ترامى اليه من تحرّكاتها، واستعدادها لغزو جديد.. فاختار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت.
وانطلق الركب الى غايته حتى اذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة، نمي خبرهم الى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا اليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم، وراحوا يتعقبونهم، ويقتفون آثارهم..
وكادوا يزيغون عنهم، لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة، ثم صاح في الذين معه :
" انه نوى يثرب، فلنتبعه حتى يدلنا عليهم"..
وساروا مع النوى المبثوث على الأرض، حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون..
وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون، فدعا أصحابه الى صعود قمة عالية على رأس جبل..
واقترب الرماة المائة، وأحاطوا بهم عند سفح الجبلو وأحكموا حولهم الحصار..
ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء.
والتفت العشرة الى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.
وانتظروا بما يأمر..
فاذا هو يقول:" أما أنا، فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك..
اللهم أخبر عنا نبيك"..
وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد، وأصيب معه سبعة واستشهدوا..
ونادوا الباقين، أنّ لهم العهد والميثاق اذا هم نزلوا
فنزل الثلاثة: خباب بن عديّ وصاحباه..
واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم، وظربوهما بها..
ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر، فقرر أن يموت حيث مات عاصم واخوانه..
واستشهد حيث أراد..
وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا، وأبرّهم عهدا، وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..
وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما، ولكنه كان شديد الاحكام
وقادهما الرماة البغاة الى مكة، حيث باعوهما لمشركيها..
ودوّى في الآذان اسم خبيب..
وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر، تذكّروا ذلك الاسم جيّدا، وحرّك في صدورهم الأحقاد.
وسارعوا الى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم
وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم، ليس منه وحده، بل ومن جميع المسلمين..
وضع قوم أخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا..
أسلم خبيب قلبه، وأمره،ومصيره لله رب العالمين.
وأقبل على نسكه ثابت النفس، رابط الجأش، معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر، ويلاشي الهول

كان الله معه.. وكان هو مع الله..
دخلت عليه يوما احدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره، فغادرت مكانه مسرعة الى الناس تناديهم لكي يبصروا عجبا..
" والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه..
وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة..
ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا"..
أجل آتاه الله عبده الصالح، كما آتى من قبل مريم بنت عمران قال تعالى :
(( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ))
وحمل المشركون الى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه.
ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه، وأنزل عليه سكينته ورحمته
وراحوا يساومونه على ايمانه، ويلوحون له بالنجاة اذا ما هو كفر لمحمد، ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..
أجل، كان ايمان خبيب كالشمس قوة، وبعدا، ونارا ونورا..
كان يضيء كل من التمس منه الضوء، ويدفئ كل من التمس منه الدفء، أم الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه..
واذا يئسوا مما يرجون، قادوا البطل الى مصيره، وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..
وما ان بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين، وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه واعلان الكفر بالله وبرسوله وبدينه..
وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام واخبات...
وتدفقت في روحه حلاوة الايمان، فودّ لو يظل يصلي، ويصلي ويصلي..
ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم:
" والله لاتحسبوا أن بي جزعا من الموت، لازددت صلاة"..
ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال:
" اللهم احصهم عددا.. واقتلهم بددا"..
ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الاله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع
ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..
ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم.
وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود امام البطل المصلوب..
لم يغمض عينيه، ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه
وبدأت الرماح تنوشه، والسيوف تنهش لحمه
وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له :
" أتحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟
وهنا لا غير انتفض خبيب كالاعصار وصاح، في قاتليه :
" والله ما أحبّ أني في اهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة"..


نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله.. نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان، وكان لم يسلم بعد، يضرب كفا بكف ويقول مندهش ا:" والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..
كانت كلمات خبيب هذه ايذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها، فتناوشه في جنون ووحشية..
وقريبا من المشهد كانت تحوم طيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة..
ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت، وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى
وفجأة طارت تشق الفضاء، وتمضي بعيدا.. بعيدا..
لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب، فخدلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..
مضت جماعة الطير الى رحاب الفضاء متعففة منصفة
وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية..
وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف..
كان خبيب عندما رفعوه الى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا، قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل الى ربه العظيم قائلا :
" اللهم انا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا"..
واستجاب الله دعاءه..
فبينما الرسول في المدينة اذ غمره احساس وثيق بأن أصحابه في محنة..
وتراءى له جثمان أحدهم معلقا..
ومن فوره دعا المقداد بن عمرو، والزبير بن العوّام..
فركبا فرسيهما، ومضيا يقطعان الأرض وثبا.
وجمعهما الله بالمكان المنشود، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب، حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الطيب.
ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.
ولعل ذلك أحرى به وأجدر، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ، وفي ضمير الحياة

بطلا.. فوق الصليب
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #57 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 07:14 PM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي خالد بن سعيد ( فدائي من الرعيل الأول )

خالد بن سعيد ( فدائي من الرعيل الأول )


في بيت وارف النعمة، مزهو بالسيادة، ولأب له في قريش صدارة وزعامة، ولد خالد بن سعيد بن العاص، وان شئتم مزيدا من نسبه فقولوا: ابن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف..
ويوم بدأت خيوط النور تسري في أنحاء مكة على استحياء، هامسة بأن محمدا الأمين يتحدث عن وحي جاءه في غار حراء، وعن رسالة تلقاها من الله ليبلغها الى عباده، كان قلب خالد يلقي للنور الهامس سمعه وهو شهيد..
وطارت نفسه فرحا، كأنما كان وهذه الرسالة على موعد.. وأخذ يتابع خيوط النور في سيرها ومسراها.. وكلما سمع ملأ من قومه يتحدثون عن الدين الجديد، جلس اليهم وأصغى في حبور مكتوم، وبين الحين والحين يطعّم الحديث بكلمة منه، أو كلمات تدفعه في طريق الذيوع، والتأثير، والايحاء..
كان الذي يراه أنئذ، يبصر شابا هادئ السمت، ذكيّ الصمت، بينما هو في باطنه وداخله، مهرجان حافل بالحركة والفرح.. فيه طبول تدق.. ورايات ترتفع.. وأبواق تدوّي.. وأناشيد تصلي.. وأغاريد تسبّح..
عيد بكل جمال العيد، وبهجة العيد وحماسة العيد، وضجة العيد..
وكان الفتى يطوي على هذا العيد الكبير صدره، ويكتم سرّه، فان أباه لو علم أنه يحمل في سريرته كل هذه الحفاوة بدعوة محمد، لأزهق حياته قربانا لآلهة عبد مناف..
ولكن أنفسنا الباطنة حين تفعم بأمر، ويبلغ منها حدّ الامتلاء فانها لا تملك لافاضته دفعا..
وذات يوم..
ولكن لا.. فان النهار لم يطلع بعد، وخالد ما زال في نومه اليقظان، يعالج رؤيا شديدة الوطأة، حادة التأثير، نفاذة العبير..
نقول اذن: ذات ليلة، رأى خالد بن سعيد في نومه أنه واقف على شفير نار عظيمة، وأبوه من ورائه يدفعه بكلتا يديه، ويريد أن يطرحه فيها، ثم رأى رسول الله يقبل عليه، ويجذبه بيمينه المباركة من ازاره فيأخذه بعيدا عن النار واللهب..
ويصحو من نومه مزوّدا بخطة العمل في يومه الجديد، فيسارع من فوره الى دار أبي بكر، ويقصّ عليه الرؤيا.. وما كانت الرؤيا بحاجة الى تعبير..
وقال له أبو بكر:
" انه الخير أريد لك.. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فان الااسلام حاجزك عن النار".
وينطلق خالد باحثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يهتدي الى مكانه فيلقاه، ويسأل النبي عن دعوته، فيجيبه عليه السلام :
" تؤمن بالله وحده، ولا تشرك به شيئا..
وتؤمن بمحمد عبده ورسوله.. وتخلع عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع"..
ويبسط خالد يمينه، فتلقاها يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفاوة، ويقول خالد:
" اني أشهد أن لا اله الا الله...
وأشهد أن محمدا رسول الله"..
وتنطلق أغاريد نفسه وأناشيدها..
ينطلق لمهرجان كله الذي كان في باطنه.. ويبلغ النبأ أباه.

يوم أسلم سعيد، لم يكن قد سبقه الى الاسلام سوى اربعة أو خمسة ، فهو اذن من الخمسة الأوائل المبكرين الى الاسلام
وحين يباكر بالاسلام واحد من ولد سعيد بن العاص، فان ذلك في رأي سعيد، عمل يعرّضه للسخرية والهوان من قريش، ويهز الأرض تحت زعامته.
وهكذا دعا اليه خالد، وقال له:" أصحيح أنك اتبعت محمدا وأنت تسمعه يهيب آلهتنا"..؟؟
قال خالد: " انه والله لصادق..
ولقد آمنت به واتبعته"..
هنالك انهال عليه أبوه ضربا، ثم زجّ به في غرفة مظلمة من داره، حيث صار حبيسها، ثم راح يضنيه ويرهقه جوعا وظكأ..
وخالد يصرخ فيهم من وراء الباب المغلق عليه :
" والله انه لصادق، واني به لمؤمن".
وبدا لسعيد أن ما أنزل بولده من ضرر لا يكفي ، فخرج به الى رمضاء مكة، حيث دسّه بين حجارتها الثقيلة الفادحة الملتهبة ثلاثة أيام لا يواريه فيها ظل..
ولا يبلل شفتيه قطرة ماء..
ويئس الوالد من ولده، فعاد به الى داره، وراح يغريه، ويرهبه.. يعده، ويتوعّده.. وخالد صامد كالحق ، يقول لأبيه :
" لن أدع الاسلام لشيء، وسأحيا به وأموت عليه"..
وصاح سعيد:
" اذن فاذهب عني يا لكع، فواللات لأمنعنّك القوت"..
وأجابه خالد:
".. والله خير الرازقين"..
وغادر الدار التي تعجّ بالرغد، من مطعم وملبس وراحة..
غادرها الى الخصاصة والحرمان..
ولكن أي بأس..؟؟
أليس ايمانه معه..؟؟
ألم يحتفظ بكل سيادة ضميره، وبكل حقه في مصيره..؟؟
ما الجوع اذن، وما الحرمان، وما العذاب..؟؟
واذا وجد انسان نفسه مع حق عظيم كهذا الحق الذي يدعو اليه محمد رسول الله، فهل بقي في العالم كله شيء ثمين لم يمتلكه من ربح نفسه في صفقة، الله صاحبها وواهبها...؟؟
وهكذا راح خالد بن سعيد يقهر العذاب بالتضحية، ويتفوق على الحرمان بالايمان..
وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المؤمنين بالهجرة الثانية الى الحبشة، كان خالد بن سعيد، ممن شدّوا رحالهم اليها..
ويمكث خالد هناك الى ما شاء الله ان يمكث، ثم يعود مع اخوانه راجعين الى بلادهم، سنة سبع، فيجدون المسلمين قد فرغوا لتوهم من فتح خيبر..
ويقيم خالد بالمدينة وسط المجتمع المسلم الجديد الذي كان أحد الخمسة الأوائل الذين شهدوا ميلاده، وأسسوا بناءه، ولا يغزو النبي غزوة، ولا يشهد مشهدا، الا وخالد بن سعيد من السابقين..
وكان خالد بسبقه الى الاسلام، وباستقامة ضميره ونهجه موضع الحب والتكريم..
كان يحترم اقتناعه فلا يزيفه ولا يضعه موضع المساومة.
قبل وفاة الرسول جعله عليه السلام واليا على اليمن..
ولما ترامت اليه أنباء استخلاف أبي بكر، ومبايعته غادر عمله قادما الى المدينة..

وكانه يعرف لأبي بكر الفضل الذي لا يطاول..
بيد أنه كان يرى أن أحق المسلمين بالخلافة واحد من بني هاشم :
العباس مثلا، أو عليّ ابن أبي طالب..
ووقف الى جانب اقتناعه فلم يبايع أبا بكر..
وظل أبو بكر على حبه له، وتقديره اياه لا يكرهه على أن يبايع، ولا يكرهه لأنه لم يبايع، ولا يأتي ذكره بين المسلمين الا أطراه الخليفة العظيم، وأثنى عليه بما هو أهله..
ثم تغيّر اقتناع خالد بن سعيد، فاذا هو يشق الصفوف في المسجد يوما وأبو بكر فوق المنبر، فيبايعه بيعة صادقة وثقى..
ويسيّر أبا بكر جيوشه الى الشام، ويعقد لخالد بن سعيد لواء، فيصير أحد أمراء الجيش..
ولكن يحدث قبل أن تتحرك القوات من المدينة أن يعارض عمر في امارة خالد بن سعيد، ويظل يلح على الخليفة أن يغيّر قراره بشأن امارة خالد..
ويبلغ النبأ خالد، فلا يزيد على قول:
" والله ما سرّتنا ولايتكم، ولا ساءنا عزلكم"..
ويخفّ الصدّيق رضي الله عنه الى دار خالد معتذرا له، ومفسرا له موقفه الجديد، ويسأله مع من من القوّاد والأمراء يجب أن يكون: مع عمرو بن العاص وهو ابن عمه، أو مع شرحبيل بن حسنة؟
فيجيب خالد اجابة تنمّ على عظمة نفسه وتقاها :
" ابن عمّي أحبّ اليّ في قرابته، وشرحبيل أحبّ اليّ في دينه"..
ثم اختار أن يكون جنديا في كتيبة شرحبيل بن حسنة..
ودعا ابو بكر شرحبيل اليه قبل أن يتحرّك الجيش، وقال له :
" انظر خالد بن سعيد، فاعرف له من الحق عليك، مثل مل كنت تحبّ أن يعرف من الحق لك، لو كنت مكانه، وكان مكانك..
انك لتعرف مكانته في الاسلام..
وتعلم أن رسول الله توفى وهو له وال..
ولقد كنت وليته ثم رأيت غير ذلك..
وعسى أن يكون ذلك خيرا له في دينه، فما أغبط أحد بالامارة..
وقد خيّرته في أمراء الجند فاختارك على ابن عمّه..
فاذا نزل بك أمر تحتاج فيه الى رأي التقي الناصح، فليكن أول من تبدأ به: أبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل.. وليك خالد بن سعيد ثالثا، فانك واجد عندهم نصحا وخيرا..
واياك واستبداد الرأي دونهم، أو اخفاءه عنهم"..
وفي موقعه مرج الصفر بأرض الشام، حيث كانت المعارك تدور بين المسلمين والروم، رهيبة ضارية، كان في مقدمة الذين وقع أجرهم على الله، شهيد جليل، قطع طريق حياته منذ شبابه الباكر حتى لحظة استشهاده في مسيرة صادقة مؤمنة شجاعة..
ورآه المسلمون وهم يفحصون شهداء المعركة، كما كان دائما، هادئ السّمت، ذكي الصمت، قوي التصميم، فقالوا :

" اللهم ارض عن خالد بن سعيد"..
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #58 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 07:18 PM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي قيس بن سعد بن عبادة ( لولا الإسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب )

قيس بن سعد بن عبادة ( لولا الإسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب )


كان الأنصار يعاملونه على حداثة سنه كزعيم..
وكانوا يقولون:" لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا"..
ذلك أنه كان أجرد، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية التي كان الرجال يتوّجون بها وجوههم.
فمن هذا الفتى الذي ودّ قومه لو يتنازلون عن أموالهم لقاء لحية تكسو وجهه، وتكمل الشكل الخارجي لعظمته الحقيقية، وزعامته المتفوقة..؟؟
انه قيس بن سعد بن عبادة
من أجود بيوت العرب وأعرقها.. البيت الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:
" ان الجود شيمة أهل هذا البيت"..
وانه الداهية الذي يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق:
" لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب"..
ذلك أنه حادّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقّد الذهن
ولقد كان مكانه يوم صفين مع علي ضدّ معاوية.. وكان يجلس مع نفسه فيرسم الخدعة التي يمكن أن يؤدي بمعاوية وبمن معه في يوم أو ببعض يوم، بيد أنه يتفحص خدعته هذه التي تفتق عنها ذكاؤه فيجدها من المكر السيء الخطر، ثم يذكر قول الله سبحانه :
( ولا يحيق المكر السوء الا بأهله)..
فيهبّ من فوره مستنكرا، ومستغفرا، ولسان حاله يقول :
" والله لئن قدّر لمعاوية أن يغلبنا، فلن يغلبنا بذكائه، بل بورعنا وتقوانا"..
ان هذا الأنصاري الخزرجي من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرا عن كابر.. فهو ابن سعد بن عبادة، زعيم الخزرج الذي كنا مع قصته فيما سبق
وحين أسلم سعد أخذ بيد ابنه قيس وقدّمه الى الرسول قائلا :
" هذا خادمك يا رسول الله"..
ورأى لرسول في قيس كل سمات التفوّق وأمائر الصلاح..
فأدناه منه وقرّبه اليه وظل قيس صاحب هذه المكانة دائما..
يقول أنس صاحب رسول الله:
كان قيس بن سعد من النبي، بمكان صاحب الشرطة من الأمير"..
وحين كان قيس، قبل الاسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها الا من يحسب لدهائه ألف حساب.. فلما أسلم، علّمه الاسلام أن يعامل الناس باخلاصه، لا بدهائه، ولقد كان ابنا بارّا للاسلام، ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية.. وصار كلما واجه موقعا صعبا، يأخذه الحنين الى دهائه المقيد، فيقول عبارته المأثورة :
" لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب"...


ولم يكن بين خصاله ما يفوق ذكائه سوى جوده.. ولم يكن الجود خلقا طارئا على قيس، فهو من بيت عريق في الجود والسخاء، كان لأسرة قيس، على عادة أثرياء وكرام العرب يومئذ، مناد يقف فوق مرتفع لهم وينادي الضيفان الى طعامهم نهارا... أو يوقد النار لتهدي الغريب الساري ليلا.. وكان الناس يومئذ يقولون:" من أحبّ الشحم، واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة"...
ودليم بن حارثة، هو الجد الثاني لقيس.. ويعود أصل الأنصار من أوس وخزرج إلى اليمن وقد هاجروا قديما إلى يثرب واستوطنوا فيها .
وفي هذا البيت العريق أرضع قيس الجود والسماح..
تحّدث يوما أبا بكر وعمر حول جود قيس وسخائه وقالا :
" لو تركنا هذا الفتى لسخائه، لأهلك مال أبيه"..
وعلم سعد بن عبادة بمقالتهما عن ابنه قيس، فصاح قائلا :
" من يعذرني من أبي قحافة، وابن الخطّاب.. يبخلان عليّ ابني"..
وأقرض أحد اخوانه المعسرين يوما قرضا كبيرا..
وفي الموعد المضروب للوفاء ذهب الرجل يردّ الى قيس قرضه فأبى أن يقبله وقال:
" انا لا نعود في شيء أعطيناه"..
وللفطرة الانسانية نهج لا يتخلف، وسنّة لا تتبدّل.. فحيث يوجد الجود توجد الشجاعة..
أجل ان الجود الحقيقي والشجاعة الحقيقية توأمان، لا يتخلف أحدهما عن الاخر أبدا.. واذا وجدت جودا ولم تجد شجاعة فاعلم أن هذا الذي تراه ليس جودا.. وانما هو مظهر فارغ وكاذب من مظاهر الزهو الأدّعاء... واذا وجدت شجاعة لا يصاحبها جود، فاعلم أنها ليست شجاعة، انما هي نزوة من نزوات التهوّر والطيش...
ولما كان قيس بن سعد يمسك أعنة الجود بيمينه فقد كان يمسك بذات اليمين أعنّة الشجاعة والاقدام..
تألقت شجاعته في جميع المشاهد التي صاحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حيّ..
وواصلت تألقها، في المشاهد التي خاضها بعد أن ذهب الرسول الى الرفيق الأعلى..
والشجاعة التي تعتمد على الصدق بدل الدهاء.. وتتوسل بالوضوح والمواجهة، لا بالمناورة والمراوغة، تحمّل صاحبها من المصاعب والمشاق من يؤوده ويضنيه..
ومنذ ألقى قيس وراء ظهره، قدرته الخارقة على الدهاء والمناورة، وحمل هذا الطراز من الشجاعة المسفرة الواضحة، وهو قرير العين بما تسببه له من متاعب وما تجلبه من تبعات...
ان الشجاعة الحقة تنقذف من اقتناع صاحبها وحده..
هذا الاقتناع الذي لا تكوّنه شهوة أو نزوة، انما يكوّنه الصدق مع النفس، والاخلاص للحق...
وهكذا حين نشب الخلاف بين عليّ ومعاوية، نرى قيسا يخلو بنفسه، ويبحث عن الحق من خلال اقتناعه، حتى اذا ما رآه مع عليّ ينهض الى جواره شامخا، قويا مستبسلا..
وفي معارك صفّين، والجمل، ونهروان، كان قيس أحد أبطالها المستبسلين..
كان يحمل لواء الأنصار وهو يصيح :
هذا اللواء الذي كنا نخفّ به
مع النبي وجبريل لنا مدد
ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته
ألا يكون له من غيرهم أحد


ولقد ولاه عليّ حكم مصر..
وكانت عين معاوية على مصر دائما... كان ينظر اليها كأثمن درّة في تاجه المنتظر...
من أجل ذلك لم يكد يرى قيسا يتولى امارتها حتى جنّ جنونه وخشي أن يحول قيس بينه وبين مصر الى الأبد، حتى لو انتصر هو على عليّ انتصارا حاسما..
وهكذا راح بكل وسائله الماكرة، وحيله التي لا تحجم عن أمر، يدسّ عند علي ضدّ قيس حتى استدعاه علي من مصر..
وهنا وجد قيس فرصة سعيدة ليستكمل ذكاءه استعمالا مشروعا، فلقد أدرك بفطنته أن معاوية لعب ضدّه هذه اللعبة بعد أن فشل في استمالته الى جانبه، لكي يوغر صدره ضدّ علي ولكي يضائل من ولائه له.. واذن فخير رد على دهاء معاوية هو المزيد من الولاء لعليّ وللحق الذي يمثله عليّ، والذي هو في نفس الوقت مناط الاقتناع الرشيد والأكيد لقيس بن سعد بن عبادة..
وهكذا لم يحس لحظة أن عليّا عزله عن مصر.. فما الولاية، وما الامارة، وما المناصب كلها عند قيس الا أدوات يخدم بها عقيدته ودينه.. ولئن كانت امارته على مصر وسيلة لخدمة الحق، فان موقفه بجوار عليّ فوق أرض المعركة وسيلة أخرى لا تقل أهميّة ولا روعة..
وتبلغ شجاعة قيس ذروة صدقها ونهاها، بعد استشهاد عليّ وبيعة الحسن..
لقد اقتنع قيس بأن الحسن رضي الله عنه، هو الوارث الشرعي فبايعه ووقف الى جانبه غير ملق الى الأخطار وبالا..
وحين يضطرّهم معاوية لامتشاق السيوف، ينهض قيس فيقود خمسة آلاف من الذين حلقوا رؤوسهم حدادا على علي..
ويؤثر الحسن أن يضمّد جراح المسلمين التي طال شحوبها، ويضع حدّا للقتال المفني المبيد فيفاوض معاوية ثم يبايعه..
هنا يدير قيس خواطره على المسألة من جديد، فيرى أنه مهما يكن في موقف الحسن من الصواب، فان لجنود قيس في ذمّته حق الشورى في اختيار المصير، وهكذا يجمعهم ويخطب فيهم قائلا :
" ان شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وان شئتم أخذت لكم أمانا:..
واختار جنوده الأمر الثاني، فأخذ لهم الامان من معاوية الذي ملأ الحبور نفسه حين رأى مقاديره تريحه من أقوى خصومه شكيمة وأخطرهم عاقبة...
وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الاسلام دهاءه..
مات الرجل الذي كان يقول :
لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة"..

أجل.. ومات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للاسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق...
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #59 (permalink)  
قديم 08-14-2007, 07:24 PM
الصورة الرمزية ammancity
مكتوبي مميَز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 3,049
إرسال رسالة عبر MSN إلى ammancity إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ammancity
افتراضي مشاركة: سيرة أعلام الصحابة رضوان الله عليهم جميعا

اسف على المقاطعة
لو سمحت
سيره عن سيدنا عثمان رضي الله عنه
وقصته هو وسيدنا على والخلافه
فهمنا القصه
وكيف مات سيدنا عثمان
والحاله الاجتماعية
ومشكور جدا جدا
تعبنا معانا

جزاك الله الف خير و جعله في ميزان حسناتك
__________________
شروط ردي على المواضيع:
1.عدم هز الذنب للشخص صاحب الموضوع.
2.يجب على صاحب الموضوع التحمل ولو كان الرد جارح جدا.
3.حرية التعبير.

c o n t a c t m e
a m m a n c i t y @ m a k t o o b . c o m

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس
  #60 (permalink)  
قديم 08-15-2007, 12:16 AM
الصورة الرمزية fata-maareeb
مكتوبي نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 145
افتراضي مشاركة: سيرة أعلام الصحابة رضوان الله عليهم جميعا

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ammancity
اسف على المقاطعة
لو سمحت
سيره عن سيدنا عثمان رضي الله عنه
وقصته هو وسيدنا على والخلافه
فهمنا القصه
وكيف مات سيدنا عثمان
والحاله الاجتماعية
ومشكور جدا جدا
تعبنا معانا

جزاك الله الف خير و جعله في ميزان حسناتك

شرفني مرورك أخي الكريم وجزاك الله كل خير

ولكن هدفي من الموضوع هو نشر سير الصحابة رضوان الله عليهم
واحدا تلو الآخر .


أما عن قصص الفتن التي حدثت بين المسلمين سواء في عهد عثمان رضي الله عنه
أو في عهد معاوية وعلي رضي الله عنهم جميعا فليس هذا مكانها وربما تجدها
في أماكن أخرى .
ولك كل شكر وتقدير .
__________________

احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. اذا سألت فسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن مااصابك لم يكن ليخطئك .. وما أخطك لم يكن ليصيبك
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ .. لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك
ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ .. لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك .
=== رفعت الأقلام وجفت الصحف ===


@ ـ فتى مأرب ـ @


لـزيـارة مـدونـتـي الـرجـاء الـضغـط هـنـا

__________________

تحميل شريط ادوات مكتوب

لا يملك عنوان على اصحاب مكتوب، انشئ صفحتك الآن
رد مع اقتباس

إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



araby.com


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
LinkBacks Enabled by vBSEO 3.1.0
الساعة الآن 04:02 AM.