المولى إسماعيل (1082-1139هـ/1672-1727): موطد دعائم الدولة المغربية
بويع المولى إسماعيل بن علي الشريف مباشرة بعد وفاة أخيه الرشيد سنة 1082هـ، وهو في السادسة والعشرين من عمره، واتخذ مكناسة عاصمة له. قام بمنجزات على الصعيدين الداخلي والخارجي من أجل تطوير صرح الدولة المغربية، وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار في ربوعها
الواجهة العسكرية
تدل مجموع الأعمال التي قام بها المولى إسماعيل على ملكته التنظيمية المتميزة. فكان من أبرز اهتماماته إعادة تنظيم وتجهيز مؤسسة الجيش. فأنشأ جيش العبيد البخاري من السود الذي بلغ عدده مائة وخمسين ألفا، وفرقهم في نواحي البلاد وحصنهم في القلاع لضمان الاستقرار والهدوء في مختلف أرجاء مملكته.
ووضع نظاما مبتكرا لتربية عبيد البخاري وقد كثروا جدا نتيجة لتزاوجهم وإنجابهم، فكان يأخذ أولا بنات أولئك العبيد من سن عشر سنوات فأكثر فيفرقهن على عريفات القصور، ليؤدبهن بآداب القصور ويعرفهن بأصول الخدمة. بل أنشأ لهن قصرا خاصا للتربية والتأديب..كما يربي الشباب على تعلم مختلف الحرف كالنجارة والحدادة وبقية الحرف، ثم يدربون على فنون القتال وأعمال الجندية حتى إذا صاروا فرسانا واطمأن إلى أنهم مقاتلين يعتمد عليهم، زوج أولئك الجنود من بنات العبيد اللائي تربين تلك التربية الخاصة، ويعطي كلا منهم عشرة مثاقيل مهر زوجته ويدفع إلى كل بنت خمسة مثاقيل شوارها. ثم يعين على كل طائفة من المقاتلين واحدا من آبائهم ضابطا. ويعطى ذلك الضابط ما يبتني به لنفسه دارا في مركز تلك القوة في مشرع الرمل قرب مكناسة..
إلى جانب جيش عبيد البخاري أنشأ نظاما جديدا للجيش سمي بنظام الودايا. وتنقسم هذه الودايا إلى ثلاث أرحاء: رحى أهل السوس ورحى المغافرة ورحى الودايا. وهكذا كون المولى إسماعيل جيش العلويين من هذه الودايا الثلاثة، وكلهم كانوا من العرب. وكان ينزع عنهم خيلهم وسلاحهم فلا يعيدها إليهم إلا في أيام الحرب.
كما اعتنى المولى إسماعيل عناية خاصة بتحصين البلاد بالقلاع، لغلبة الهاجس العسكري على مشروعه السياسي، فحصن الناحية الشرقية بالقلاع الحصينة وأنزل في كل منها العبيد بخيلهم وسلاحهم، وألزم الناس بدفع الزكوات والعشور بهذه القلاع التي كانت موزعة توزيعا جغرافيا دقيقا على الجبهة الشرقية وما بينها وبين تازا. كما أنه حصن مدينة مكناسة وسلحها بالمدافع والأسوار.
الواجهة الداخلية
سيطرت على المولى إسماعيل فكرة سيادة المغرب سيادة تامة وإقامة الوطن العربي الموحد. لذلك سعى من البداية جاهدا إلى القضاء على مراكز القوة العسكرية الداخلية. ووجه اهتماماته إلى ضرورة إزالة كل مركز سياسي عدا سلطان السلطنة معتمدا في ذلك أساسا على العبيد البخارية.
ثم إن قوة تنظيمه لمؤسسة الجيش مكنته من استرجاع عدة ثغور، وخاصة منها المناطق الساحلية، فحرر المهدية سنة 1092هـ، وطنجة سنة 1095هـ، والعرائش سنة 1101هـ، ثم أصيلا سنة 1102هـ. وحاول تحرير سبتة ومليلية سنة 1106/1693م.
كما حاول التوسع في الشرق، فسار إلى تلمسان في اتجاه نهر شلف، إلا انه لقي مقاومة عنيفة من الأتراك، إلى أن وقع الصلح بينه وبين الأتراك: كما استرجع الصحراء وبلاد السودان.
الواجهة الخارجية
اهتم السلطان بعلاقات المغرب الخارجية أيما اهتمام، حفاظا على سمعة المغرب بالخارج. فقد سعت كل من تركيا وفرنسا إلى توطيد العلاقات مع المغرب. كما أن انجلترا قد تنازلت عن مدينة طنجة فاستعاضت طنجة بجبل طارق إرضاء له سنة 1705م ورغبة منها في أن يوقع معها معاهدة للسلام سنة 1133هـ. كما احتفظ مع العثمانيين بعلاقات مميزة، فالتزم بذلك واحتفظ للعثمانيين بعلاقة متميزةّ.
كما عرف عن المولى اسماعيل نشاطه في دعوة ملوك أوربا للدخول في الاسلام، كما يذكر ذلك المؤرخ الفرنسي " سان أولون" بقوله: " ... ويدعو ( أي المولى اسماعيل) المسيحيين للدخول في دين الاسلام، وصدرت منه مكاتيب بذلك لجل دول أوربا، أشهرها كتابه للويس الرابع عشر – ملك فرنسا- يذكره بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل عظيم الروم، ويدعوه إلى الإسلام".
خاتمة
والحق أن الإنجازات التي قام بها السلطان إسماعيل تعتبر تطورا هاما في تاريخ بناء الوطن المغربي، فقد اجتهد في تحويل أهل المغرب الأقصى جميعا إلى رعية مستأمنة. حيث حكم سبعا وخمسين سنة، (توفي سنة 1039، ودفن بضريح الشيخ المجذوب). شهدت الدولة العلوية في هذه الفترة ازدهارا ملحوظا، وخلد مآثر عمرانية كبيرة، ولا سيما المساجد والمدارس وخاصة، بمدينة مكناس، كما وسع ضريحي الإمامين إدريس الأكبر والأصغر وزاد فيهما من كل ناحية. وقد قال السلاوي معلقا على حكم المولى إسماعيل في مجموعه: "ولم يبق في هذه المدة بأرض المغرب سارق أو قاطع طريق. ومن ظهر عليه شيء من ذلك وفر في القبائل قبض عليه بكل قبيلة مر عليها أو قرية ظهر بها، فلا تقله أرض حتى يؤتى به أينما كان. وكلما بات مجهول حال بمحلة أو قرية ثقف بها إلى أن يعرف حاله. ومن تركه ولم يحتط في أمره أخذ بما اجترحه، وأدى ما سرقه أو اقترفه من قتل وغيره.
للمزيد يراجع
:
- المجالس العلمية السلطانية، آسية البلغيثي
- الاستقصا، الناصري
- تاريخ المغرب وحضارته، حسين مؤنس
- أعلام المغرب، ابن زيدان.
محمد بن يوسف (1346-1381هـ/1927-1961) : بطل التحرير
تولى محمد بن يوسف بعد وفاة والده يوسف بن الحسن سنة 1346هـ/1927م عرش المغرب في ظروف جد صعبة، خصوصا وأن المغرب كان يعيش تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. لذلك تحمل هذا الملك منذ البداية المسؤولية العظمى من أجل تحقيق الاستقلال والنهوض بهذا البلد في سبيل تحقيق نهضة شاملة.
تزعم محمد الخامس الحركة الوطنية من أجل بعث الوعي الوطني والقومي، وتوحيد الأهداف الوطنية في إطار الحركة السلفية. فخاض النضال والكفاح من أجل أن ينال المغرب استقلاله ووحدته.
لذا سعى منذ البداية إلى تجديد هياكل الدولة المغربية وتطوير بنياتها التحتية، وتكوين أطرها. وقاوم الظهير البربري سنة 1930 الذي كان يهدف إلى تشتيت الوحدة الوطنية. كما قام بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944م.
تدبير مؤامرة نفيه
نظرا للخطورة التي كان يشكلها المشروع الإصلاحي لمحمد الخامس، أخذ الاستعمار يضايقه في العديد من تحركاته. فقد تم منعه سنة 1934 من أداء الصلاة بالقرويين. كما منع من زيارة مدينة طنجة سنة 1947م.
وكان يستغل مختلف المناسبات للتعريف بقضيته العادلة والمطالبة بزوال الاستعمار، فقد ألقى كلمة ببلدية باريس في حفلة أقامها المارشال ليوطي، مذكرا بضرورة استقلال المغرب وسيادته.
وفي مؤتمر أنفا سنة 1943م، حاول استثمار مساهمة المغرب في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، فطالب فرنسا بإنجاز وعودها للمغرب.
وكرر ذلك في المهرجان العسكري الذي أقيم بالعاصمة الفرنسية سنة 1370هـ/1945م، والذي حضره بصفته رئيس دولة مساهمة في الحرب العالمية الثانية برجالها
وهكذا تم توظيف مختلف هذه الملتقيات لدعم القضية المغربية المصيرية، فطالب فرنسا بالوفاء بعهودها للمغرب، كما كرر ذلك في زيارته لتونس سنة 1368هـ/1949م.
وكانت زيارته التاريخية لطنجة سنة 1945 منعطفا مهما لتطلعات الأمة المغربية للحرية والاستقلال. وزاد الاستعمار في الضغط عليه سنة 1950. كما عمل على رأس الحركة الوطنية على رفع القضية المغربية إلى هيئة الأمم المتحدة بمساعدة الجامعة العربية سنة 1952م، فأصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارا باختصاصها، ولم يلبث المغرب –بقيادة ملكه- أن تقدم إليها بطلب إنهاء عهد الحماية منددا باضطهاد فرنسا للشعب المغربي وملكه.
عندما بدأت السلطة الاستعمارية تحس بخطره على الوجود الفرنسي بالمغرب، وتأكدت من أن استمرار الحماية مرهون بخلع محمد الخامس عن العرش، طلب منه المقيم العام التنازل عن العرش فرفض. وفي 20 غشت 1953م أعلن المقيم عن خلعه ونفيه إلى جزيرة كورسيكا ثم إلى جزيرة مدغشقر. ونصبت السلطات الاستعمارية محمد بن عرفة بدلا عنه.
إنهاء الاستعمار وعودة محمد الخامس
وكان نفي محمد الخامس إيذانا بقرب نهاية الوجود الاستعماري بالمغرب. فقد اندلعت ثورة عارمة بقيادة الحركة الوطنية، شملت مختلف المناطق منددة بما أقدمت عليه سلطة الاحتلال. فتعزز جيش التحرير بجيش من المقاومين، ووطدت دعائم الثورة الشعبية العامة، فطالبت بضرورة عودة محمد الخامس، وإلغاء عقد الحماية.
وأمام هذا الإصرار على الاستقلال والوحدة، وأمام تصاعد موجات الغضب والاستنكار، أرغمت فرنسا على الاعتراف بحق المغرب في الاستقلال وفي استكمال وحدته الترابية. فعاد محمد الخامس إلى أرض الوطن حاملا معه وثيقة الاستقلال وذلك في 16 نوفمبر 1955. ووقع على هذه الوثيقة في 2 مارس 1956.
أنشطته خارج المغرب
لقد عمل محمد الخامس على مساندة الكفاح الجزائري سياسيا وعسكريا، وكان ضمن الأوائل الذين دعوا إلى إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، حيث وضع الميثاق الإفريقي في أول مؤتمر لها بالدار البيضاء سنة 1960..
وبفضل نضال هذا الملك نال المغرب استقلاله. فبدأ مسيرة التشييد والإنجاز، حيث بدأ ببناء أسس هياكل دولة مغربية معاصرة، وأرسى دعائم وأسس النظام الملكي الدستوري. ووضع دستورا للبلاد. وشكل أول حكومة وطنية ائتلافية على أساس تعدد الأحزاب. وأحدث جيشا منظما. كما سعى إلى تجديد الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ودشن الإصلاح الزراعي..
وهكذا خاض محمد الخامس كفاحا طويلا ضد مخلفات الاستعمار إلى أن وافته المنية في 10 رمضان 1381هـ/26 فبراير 1961م. فبايعت الأمة ولي عهده جلالة الملك الحسن الثاني.
جلالة الملك الحسن الثاني: مستكمل وحدة البلاد (1929 ـ 1999)
ولد جلالة الملك الحسن الثاني يوم 9 يوليوز 1929 بمدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية. وقد حرص والده جلالة المغفور له الملك محمد الخامس على أن ينشئه على القيم الإسلامية والعربية والوطنية الأصيلة من جهة، وعلى مبادئ الحضارة الإنسانية المعاصرة من جهة أخرى،والمتمثلة آنذاك في مبادئ الثقافة الفرنسية وتقاليدها..
ألحقه والده أولا بالمدرسة القرآنية بالقصر الملكي سنة 1934، حيث تمكن من حفظ القرآن الكريم، وتشرب لغته ومعانيه في سن مبكرة. ثم ولج بعد ذلك أسلاك التعليم العصري، وتوّجه بالحصول باستحقاق على شهادة الباكالوريا سنة 1948، وأتم تعليمه الجامعي بتفوق في مدينة بوردو الفرنسية،حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1951.
عايش الحسن الثاني رحمه الله أجواء الحماية المفروضة على المملكة المغربية منذ سنة 1912، وما رافقها من ردود فعل.وقد نما مولاي الحسن وترعرع في خضم مقاومة المستعمر الفرنسي والإسباني، وتنامي الحس الوطني في كل أنحاء المغرب، فانخرط منذ نعومة أظافره في العمل الوطني مع والده، منشغلا بمستقبل الوطن، حريصا على بناء الدولة المغربية بما يوافق أصالة تاريخها ويناسب عراقة الأسرة العلوية الشريفة، وبما يساير التطورات التي جدت خلال فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، مستفيدا من التجربة التي راكمها والتقطها، بالنباهة التي جبل عليها، بملازمة والده خلال معركة التحرير. فقد كان مولاي الحسن يرافق أباه في أهم الأنشطة الملكية ذات الطابع الثقافي أو الوطني أو السياسي. ومن أهم اللقاءات التي حضرها؛ وهو لم يتجاوز بعد سن الرابعة عشر؛ اللقاء التاريخي بين روزفلت الرئيس الأمريكي وتشرشل رئيس الوزراء البريطاني في أنفا بالدار البيضاء سنة 1943 في غضون الحرب العالمية الثانية. وشارك مع والده إلى جانب ممثلي الحركة الوطنية في تحرير وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، والتي تم تقديمها إلى السلطات الفرنسية للمطالبة بالاستقلال. وفي سنة 1947 سافر مولاي الحسن رفقة والده محمد الخامس إلى مدينة طنجة، الذي ألقى خطابا تاريخيا أعلن فيه عن تطلع المغاربة ملكا وشعبا إلى الحرية والاستقلال، ووجه مولاي الحسن بهذه المناسبة نداء للشباب المغربي داعيا إياه إلى الانخراط في العمل الوطني، والإسهام في معركة التحرير.
وعلى إثر تصاعد وتيرة العمل الوطني، واشتداد حركة المقاومة بكل أنحاء المغرب، عمدت سلطة الحماية إلى نفي السلطان محمد الخامس وأفراد عائلته وكان من ضمنهم ولي العهد مولاي الحسن بتاريخ 20 غشت 1953 إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر سنة 1954.وكان مولاي الحسن المستشار السياسي لوالده خلال فترة المنفى. وبعد العودة المظفرة للأسرة الملكية أواخر سنة 1955، شارك الملك الحسن الثاني وهو في ريعان شبابه إلى جانب والده المغفور له الملك محمد الخامس في المفاوضات التي أجريت في فبراير 1956 حول استقلال المغرب، وفي السنة نفسها، ومباشرة بعد إعلان الاستقلال،عينه السلطان محمد الخامس قائدا عاما للقوات الملكية المسلحة و رئيسا لأركانها. وفي السنة الموالية 1957 تم إعلانه وليا للعهد رسميا، وفي سنة 1960 تقلّد منصب وزير الدفاع. وبعد وفاة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس،يوم 26 فبراير 1961، تمت مبايعة الملك الحسن الثاني ملكا على المغرب، يوم 3 مارس 1961. و دام حكمه للمغرب 38 سنة، قضاها رحمه الله في بناء دولة عصرية، تتوفر على المؤسسات الضامنة لوحدتها واستقلالها، والهياكل والأجهزة الكفيلة باستمرارها ونموها، وتدبير شؤونها. فكان أول ما قام به في هذا الإطار هو وضع دستور يجعل من المغرب مملكة دستورية، وتمت المصادقة عليه في استفتاء شعبي 1962. وتلته بعد ذلك مجموعة من التعديلات والإصلاحات الدستورية التي أغنت الحياة السياسية، وطورت الممارسات السياسية بدولة المغرب، كان آخرها إصلاحات سنة 1996 التي حظيت بإجماع وطني، ومهدت لتقلد أحزاب المعارضة مسؤولية تدبير الشأن العام سنة 1998.
وكان استكمال الوحدة الترابية واستقلال الأراضي المغربية التي مازالت تحت يد المستعمر من بين الأوليات التي شغلت فكر الحسن الثاني ووجدانه، وهكذا عمل وهو ولي للعهد على استرجاع إقليم طرفاية إلى حظيرة الوطن سنة 1958. وفي سنة 1969 ثم تحرير مدينة سيدي إفني. وفي أكتوبر 1975 أعلن الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية، والتي انطلقت في 6 نونبر 1975 عابرة الحدود الوهمية بطريقة سلمية. وكانت بحق ملحمة وطنية لا تضاهى تحدثت عنها جميع الأوساط السياسية والإعلامية وطنية كانت أو دولية. وفي نفس المنحى اقترح رحمه الله على العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس إنشاء خلية تفكير للنظر في قضية سبتة ومليلية السليبتين وباقي الأراضي المغربية التي ما تزال تحت نير الاستعمار الإسباني.
وأولى جلالة الملك الحسن الثاني عناية خاصة لتحديث الاقتصاد الوطني.فعمل على هيكلة كل قطاعاته من أجل الرفع من مردوديتها وخاصة القطاع الفلاحي الذي يعد ركيزة الاقتصاد الوطني. وأولاه رحمه الله باهتمام خاص من حيث بناء السدود واستصلاح الأراضي الزراعية، وتطوير أساليب إنتاجه من خلال أجهزة مختصة على رأسها مراكز الاستثمار الفلاحي و التعاونيات الفلاحية، من حيث خلق صناعات تحويلية مرتبطة بالمنتوج الفلاحي، ومن حيث تسويقه في الداخل وفي الخارج، كما تم إحداث عدد كبير من المؤسسات والمكاتب العمومية للإشراف على مجموعة من القطاعات الاقتصادية والخدماتية.
أما على الصعيد الدولي فقد كان للمغفور له الملك الحسن الثاني حضور قوي ومتميز طبعته الحكمة والشجاعة في الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية،وفي الدفاع عن القضايا الوطنية والعربية والإسلامية ، مبرهنا دائما على أنه رجل دولة يؤمن بالحوار بامتياز كبير، وجاعلا من المملكة المغرية أرض التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الديانات والتيارات الفكرية والمعتقدات السياسية. وكذلك أرض اللقاءات الحضارية والثقافية الكبرى. وأقام الملك الحسن الثاني علاقات وطيدة مع جل أقطاب السياسة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. وكان المغرب من الأعضاء المؤسسين لمجموعة من المنظمات الإقليمية والدولية ومسهما في نجاحها، مثل منظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، واتحاد دول المغرب العربي، ولجنة القدس. هذا في ما يخص المجال الإقليمي ، أما فيما يخص المجال الدولي، فقد كان المغرب على عهد الملك الحسن الثاني قبلة لعدد من الشخصيات العالمية، حيث زاره جل الزعماء والقادة السياسيين وأقطاب الفكر والإبداع من كل جهات العالم فضلا عن استقباله لكثير من الرموز الدينية كان أهمها استقبال البابا جون بول الثاني في مدينة الدار البيضاء سنة1985.
وبمثل ما كان المغفور له قائدا سياسيّا محنكا استطاع أن يرسي أسس الدولة المغربية الحديثة، فإنه كان كذلك رمزا دينيا، وقائدا روحيا، وأميرا للمؤمنين تزكيه النسبة الشريفة إلى البيت العلوي، وسعة اطلاعه على أصول الدين الإسلامي ومصادره وعلومه، وقد كان له الفضل في إحياء مجموعة من السنن الحميدة التي دأب عليها المسلمون ومنها على وجه الخصوص تنظيم الدروس الحسنية التي كانت ولا تزال محجا لأقطاب الفكر الإسلامي من جميع الأماكن، ومن كل المشارب، و مناسبة للحوار بين جميع المذاهب الإسلامية. ودعم جلالته بناء المساجد بكل أنحاء العالم وخاصة في إفريقيا مثل السينغال وغيرها من البلاد الإفريقية. و شجع جلالته ايضا بناء المساجد بكل أنحاء المملكة المغربية، كان أهمها على الإطلاق: التحفة الفنية التي خص بها مدينة الدار البيضاء سنة 1986، إذ سيظل مسجد الحسن الثاني بهذه المدينة شاهدا على عبقريته. وأولى الحسن الثاني عناية خاصة لعلماء الأمة من خلال دعمه رابطة علماء المغرب وإنشاء دار الحديث الحسنية،ومن خلال إحداث هياكل تنظيمية لعمل العلماء، ومدهم بالقنوات اللازمة للتوعية الدينية السليمة. واهتم في الوقت ذاته بقطاع التعليم الديني العتيق وعمل على تشجيع مؤسساته ومساعدتها وتنظيم عملها. كما أغدق على رجالات التصوف بحيث اعتنى بالزوايا ومريديها في كل أقاليم المملكة.
ووافت المنية جلالة الملك الحسن الثاني يوم الجمعة 23 يوليوز1999،وشارك في تشييع جنازته قادة وزعماء العالم،وعدد كبير من الشخصيات العالمية، واحتشد المواطنون في مواكب ضخمة لتوديع قائد وطني عظيم، وأحد أبرز قادة العالم العربي والعالم الإسلامي والقارة الإفريقية ودول العالم الثالث،أكثرهم تأثيرا في الأحداث،وإسهاما في الجهود الدولية من أجل إقرار الأمن والسلم في العالم.