لو تنصفونا وتتركون التعصب لمذهب الأسلاف ودين الآباء، وتنظرون إلى القرائن الموجودة في القضية والواقعة بدقة وإمعان لعرفتم الحقيقة واعترفتم بما نقول!!قلت: القرينة الأولى: نزول الآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)).

دليلنا وحجتنا على ان هذه الآية نزلت في يوم الغدير وبسأن تبليع الولايةقول كبار علمائكم وأعلامكم، منهم:
1ـ جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور: ج2 ص298.
2ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
3ـ الحافظ أبو عبد الله المحاملي في أماليه.
4ـ الحافظ أبو بكر الشيرازي في ما أنزل من القرآن في علي عليه السلام .
5ـ الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
6ـ الحافظ ابن مردويه في تفسيره الآية الكريمة.
7ـ الحافظ ابن أبي حاتم في تفسير الغدير.
8ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
9ـ أبو الفتح التطنزي في الخصائص العلوية.
10ـ معين الدين المبيدي في شرح الديوان.
11ـ القاضي الشوكاني في فتح القدير:ج3 ص75.
12ـ جمال الدين الشيرازي في الأربعين.
13ـ بدر الدين الحنفي في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج8 ص584.
14ـ الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان.
15ـ الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير: ج3 ص636.
16ـ الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي (ع) .
17 ـ شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
18ـ نظام الدين النيسابوري في تفسيره: ج6 ص170.
19ـ شهاب الدين الآلوسي البغدادي في روح المعاني: ج2 ص348.
20 ـ نور الدين المالكي في الفصول المهمة: ص 27.
21ـ الواحدي في أسباب النزول: ص 150.
22ـ محمد بن طلحة في مطالب السؤل.
23ـ المير سيد علي الهمداني في مودة القربى / المودة الخامسة.
24ـ القندوزي في ينابيع المودة / الباب 39.
وغير هؤلاء المذكورين في كثير من أشهر أعلامكم قد كتبوا ونشروا بأن هذه الآية نزلت يوم الغدير، حتى أن القاضي فضل بن روزبهان المشهور بالتعصب والعناد، كتب عن الآية: فقد ثبت هذا في الصحاح أن هذه الآية لما نزلت أخذ رسول الله (ص) بكف علي بن أبي طالب وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وأعجب من هذا الكلام أنه قال وروى ـ كما في كشف الغمة ـ عن رزين بن عبد الله أنه قال: كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول الله (ص) هكذا:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أن عليا مولى المؤمنين (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)!
ورواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن مردويه.
وابن عساكر وابن ابي حاتم عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله ابن مسعود وهو أحد كتاب الوحي.
ورواه القاضي الشوكاني في تفسير فتح القدير كذلك.
والحاصل: إن تأكيد الله سبحانه لنبيه بالتبليغ وتهديده على أنه إن لم يفعل ما أمره تلك الساعة، فكأنه لم يبلغ شيئا من الرسالة، هذه قرينة واضحة على أن ذلك الأمر كان على أهمية كالرسالة فمقام الخلافة والولاية تالية لمقام النبوة والرسالة.

القرينة الثانية
وأما القرينة الثانية: الذي يؤيد ويوضح قولنا … أن نزول آية إكمال الدين كانت بعد ما بلغ رسول الله (ص) رسالته وأمر ربه في ولاية الإمام علي عليه السلام.

بعض العلماء جمعوا بين القولين وقالوا بأن الآية نزلت مرتين منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة / آخر الصفحة 18 حيث قال: احتمل أن الآية نزلت مرتين مرة بعرفة ومرة يوم الغدير كما نزلت (بسم الله الرحمن الرحيم) مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وأما الذين وافقونا من أعلامكم وقالوا بأن آية إكمال الدين نزلت في الغدير بعد نصب رسول الله (ص) عليا وليا من بعده. كثيرون منهم:
1ـ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور: ج2 ص256، وفي الإتقان: ج1 ص31.
2ـ الإمام الثعلبي في كشف البيان.
3ـ الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام.
4ـ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
5ـ ابن كثير في تفسيره: ج2 ص14.
6ـ المؤرخ والمفسر الشهير محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
7ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
8ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: ص18.
9ـ أبو اسحاق الحمويني في فرائد السمطين / الباب الثاني عشر.
10ـ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
11ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج8 ص290.
12ـ ابن المغازلي في المناقب.
13ـ الخطيب أبو مؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / فصل 14، وفي مقتل الحسين / الفصل الرابع.
وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أيضا قالوا: بأن رسول الله (ص) بعدما نصب عليا وليا من بعده وعرفه للمسلمين فأمرهم وقال:
سلموا على علي بإمرة المؤمنين، فأطاعوا وسلموا على علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين وقبل أن يتفرقوا من المكان نزل جبريل على رسول الله (ص) بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ).
فصاح النبي (ص): الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب بعدي.
ولو أحببتم توضيح القضية وكشف الحقيقة فراجعوا مسند أحمد بن حنبل وشواهد التنزيل للحافظ الحسكاني فإنهما شرحا الموضوع أبسط من غيرهما. فلو أمعنتم النظر ودققتم الفكر في الخبر لعلمتم و لأيقنتم أن النبي (ص) ما قصد من كلمة المولى إلا الإمامة والخلافة والأولوية وذلك بالقرائن التي ذكرتها وبقرينة كلمة بعدي في الجملة.
ثم فكروا وأنصفوا... هل الأمر بالمحبة والنصرة كان هاما إلى ذلك الحد بأن يأمر النبي (ص) الركب والقافلة وهم مائة ألف أو أقل أو أزيد، فينزلوا في ذلك المكان القاحل وفي ذلك الحر الشديد، ثم يأمر برجوع من سبق ولحوق من تأخر وينتظر حتى يجتمع كل من كان معه وتحت حرارة الشمس حتى أن كثيرا من الناس مد رداءه على الأرض تحت قدميه ليتقي حر الرمضاء وجلس في ناقته ليتقي أشعة الشمس، ثم يصعد النبي (ص) المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل ويخطب فيهم ويبين فضائل ومناقب ابن عمه علي بن أبي طالب كما ذكرها الخوارزمي وابن مردويه في المناقب والطبري في كتاب الولاية وغيرهم، ثم يبقى (ص) ثلاثة أيام في المكان الذي كان معهودا بنزول القوافل وما كان قبل ذلك اليوم منزلا للمسافر، ويتحمل هو والمسلمون الذين معه مشاقا كثيرة ، حتى بايع كلهم عليا (ع) بأمر رسول الله.. فهل كان من المعقول أنه (ص) كان يريد من كل ذلك ليبين للناس أن يحبوا عليا ويكونوا ناصريه!!
مع العلم أنه (ص) قبل ذلك كان يبين للمسلمين كرارا ومرارا أن حب علي من الإيمان وبغضه نفاق، وكان يأمرهم بنصرته وملازمته، فأي حاجة إلى تحمل تلك المشاق ليبين ما كان مبينا ويوضح ما كان واضحا للمسلمين!! فإذا في تلك الظروف الصعبة التي كانت في قضية الغدير لم نقل بتبليغ الولاية والخلافة من بعده ونقول بما يقوله الحافظ وبعض العلماء من أهل السنة والجماعة، لكان عمل النبي (ص) مع تلك الظروف سفها ولغوا ـ والعياذ بالله من هذا القول ـ بل النبي منزه من اللغو والسفاهة وأعماله كلها تكون على أساس العقل والحكمة.
فنزول هذه الآيات التي ذكرناها في الغدير وتلك التشريفات الأرضية والسماوية، كلها قرائن دالة عند العقلاء والعلماء بأن الأمر الذي بلغه خاتم الأنبياء هو أهم من أمر النصرة والمحبة، بل هو أمر يساوي في الأهمية أمر الرسالة بحيث إذا لم يبلغه رسول الله (ص) لأمته في تلك الساعة فكأنه لم يبلغ شيئا من رسالة الله عز وجل. فهذا الأمر ليس إلا الإمامة على الأمة بعد النبي (ص) وتعيين رسول الله خليفته المؤيد من عند الله والمنصوب بأمر من السماء، وتعريفه للناس، لكي لا تبقى الأمة بلا راعي بعده ولا تذهب أتعابه أدراج الرياح.
ولقد وافقنا بعض أعلام أهل السنة والجماعة في معنى كلمة المولى وأن المقصود منها ـ يوم الغدير ـ الأوْلى.
منهم سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / الباب الثاني / ص20 فذكر لكلمة المولى عشر معاني وبعدها قال: لا يطابق أي واحد من هذه المعاني كلام رسول الله (ص) والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعين الوجه العاشر وهو الأوْلى ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به... ودل عليه أيضا قوله (ص): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته انتهى كلامه ويوافقنا في هذا المعنى أيضا... الحافظ أبو الفرج الإصفهاني يحيى بن سعيد الثقفي في كتابه مرج البحرين، حيث يروي باسناده عن مشايخه: أن النبي (ص) أخذ بكف علي (ع) وقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه.
ويوافقنا في أن المولى بمعنى الأولى... العلامة أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة القرشي العدوي، إذ قال في كتابه مطالب السؤول / في أواسط الفصل الخامس من الباب الأول / قال بعد ذكره حديث من كنت مولاه فهذا علي مولاه : أثبت رسول الله (ص) لنفس علي (ع) بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه (ص) على المؤمنين عموما فإنه (ص) أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين وكل معنى أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله (ص) فقد جعله لعلي (ع) وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة علّية ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم عيدا وموسم سرور لأوليائه... إلخ.
رب قائل يقول :لاشك أن لكلمة المولى معاني متعددة وأنتم تعترفون بهذه الحقيقة، فلماذا تخصصون معنى الأولوية للمولى؟ وهذا تخصيص من غير مخصص.
نقول: لقد اتفق العلماء في علم الأصول بأن الكلمة التي يفهم منها أكثر من معنى، وكان أحد المعاني حقيقيا فالمعاني الأخر تكون مجازية. والمعنى الحقيقي مقدم على المجاز إلا أن يتضح بالقرائن أن المراد من الكلمة معناها المجازي.
أو كان للكلمة معاني مجازية متعددة، فنعين المراد منها بالقرينة.
ونحن نعلم أن المعنى الحقيقي لكلمة المولى إنما هو الأولى في التصرف، والمعاني الأخرى تكون مجازية.
فمعنى ولــي النكـاح = الأولى في أمر النكاح.
وولي المرأة زوجها = أي الأولى بها.
وولي الطـفـل أبــوه = أي هو الأولى بالتصرف في شأن الطفل.
وولــــي العــــهــــد = هو المتصرف في شؤون الدولة بعد الملك ، أي في غيابه، وأكثر استعمال كلمة الولي جاء في هذا المعنى في اللغة العربية في الكتابات والخطابات.
ثم هذا الاشكال يرد عليكم حيث إن لكلمة المولى معان متعددة، فلماذا تخصصونها في معنى المحب والناصر وهذا تخصيص بلا مخصص على حد زعمكم، فالتزامكم بهذا المعنى يكون باطلا من غير دليل.
وأما نحن إذا خصصنا كلمة المولى بالمتصرف والأولى بالتصرف، فإنما خصصناها للقرائن الدالة على ذلك من الآيات والروايات وأقوال كبار علمائكم مثل سبط ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي، كما مر.
وقد ذكروا في تفسير الآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أي في ولاية علي وإمامة أمير المؤمنين، وقد ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى والتفسير ، العلامة جلال الدين السيوطي في ذيل الآية الشريفة في تفسيره المشهور، الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور